في نوفمبر 2018، ستخضع المملكة العربية السعودية لمراجعتها الثالثة ضمن الإستعراض الدوري الشامل للأمم المتحدة.  قبل المراجعة، ستقوم جميع دول الأمم المتحدة بتقييم سجل حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، كما وستقوم الدول بتقديم توصيات حول كيفية تحسين هذا السجل لا سيما بعد حدوث الكثير من المستجدات والتطورات منذ المراجعة الأخيرة للمملكة العربية السعودية في أكتوبر 2013 وحتى الآن.

وتأتي المراجعة الثالثة للمملكة بعد أن بادر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في وضع خطة تفصيلية تسمى رؤية 2030 لتطوير المملكة، لكنه قام في نفس الوقت بتكثيف القمع إلى مستوى غير مسبوق. حتى عندما فتح دور السينما ورفع الحظرعن قيادة النساء للسيارة، فإنه عزّز قوته في السلطة، وقام بتفويض وكالة استخبارات محلية جديدة، وأشرف على اعتقال مئات المنافسين، المنشقين، النقّاد، الصحفيين، المدافعين عن حقوق الإنسان، رجال الدين، والأكاديميين. بشكل عام، يمكن القول بشكل مؤكد أن حالة حقوق الإنسان تدهورت بشكل ملحوظ على مدى السنوات الأربع الماضية، منذ الإستعراض الدوري الشامل الأخير الخاص بالمملكة.

بعد عدة أشهر من الدورة الثانية من الإستعراض الدوري الشامل الخاص بالمملكة، نشرت الحكومة السعودية نظام مكافحة الإرهاب وتمويله، والذي بدأ تنفيذه في أوائل عام 2014. انتُقد القانون بشدة باعتباره قانونًا واسعًا ومقيّدًا واستُخدِم لتوقيف النقاد والمعارضين. لقد استُبدل ذاك القانون بقانون مكافحة-إرهاب جديد صدر عام 2017، والذي لا يزال يستخدم لغة مبهمة لوصف الإرهاب، وهذا يتعارض مع توصيات مقرر الأمم المتحدة السابق المعني بمكافحة الإرهاب وتعزيز حقوق الإنسان بن إمرسون (Ben Emmerson) عندما زار المملكة العربية السعودية في عام 2017. وقد استخدم هذا القانون للدفاع عن اعتقال أعضاء المنظمة غير الحكومية “جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية”(ACPRA) ، بمن فيهم عبد العزيز الشبيلي، عيسى الحامد، محمد القحطاني، عبد الله الحامد، وكذلك الصحفيين، ورجال الدين مثل سلمان العودة، الذي قد يواجه حكماً بالإعدام، والأكاديميين مثل عصام الزامل.

يعتبر عصام الزامل رجل اقتصاد ورجل أعمال معروف لديه حضور بارز على وسائل التواصل الاجتماعي. اعتُقلَ عصام الزامل في سبتمبر/أيلول عام 2017 خلال موجة من الاعتقالات الجماعية بسبب انتقاده لخطط رؤية 2030 في شركة النفط الحكومية أرامكو(Aramco)، ووُجّهت إليه تهم مثل إدعاء العضوية لجماعة الإخوان المسلمين، التواصل مع قطر، إعطاء معلومات حساسة لدبلوماسيين أجانب من دون إذن، والإرهاب. وكان اعتقال الزامل موازياً للإعتقالات الأخرى التي كانت تتزايد خلال السنوات القليلة الماضية.

في السنوات الأخيرة، شرعت المملكة العربية السعودية في حملة قمع مدبّرة تستهدف المنشقّين والمعارضين للحكومة، والجزء المهم من تلك الحملة هو إعلان قانون مكافحة الإرهاب وتمويله في نوفمبر 2017، وإنشاء جهاز رئاسة أمن الدولة (PSS) وتجريد وزارة الداخلية من وظيفتها الأمنية الداخلية. يعتبر جهاز رئاسة أمن الدولة مسؤولاً عن مراقبة واعتقال العشرات من المدافعين عن حقوق الإنسان، النشطاء، رجال الدين، الأكاديميين، والمعارضين. وفي وقت لاحق من عام 2017، قاد “محمد بن سلمان” عملية تطهير ضخمة ضد الفساد داخل الحكومة، وذلك باستخدام قوة لجنة مكافحة الفساد الجديدة  للقبض على خصومه وتعزيز سلطته. بالإضافة إلى ذلك، اعتقلَ نشطاء مثل مؤسسي منظمة تدافع عن حقوق الإنسان: محمد العتيبي وعبد الله العطاوي، وحُوكما بتهمة “تقسيم الوحدة الوطنية” إلى جانب تهم أخرى. علاوة على ذلك، بعد صدور قرار رفع الحظر عن المرأة بقيادة السيارة، قام المسؤولون السعوديون باعتقال عشرات الناشطات في مجال حقوق المرأة مثل هتون الفاسي القائدة للإجرائات الخاصة للأمم المتحدة بهدف إصدار بيانين علنيين بطلب بالإفراج عن محمد العتيبي وعبد الله العطاوي في 27 يونيو/حزيران 2018 وفي 12 أكتوبر 2018. وفي أغسطس 2018 أوصت النيابة العامة في المملكة بإصدار حكم بالإعدام ضدّ الناشطة المعتقلة إسراء الغمغام، وإذا وافقت المحكمة على الحكم، فإنها ستكون أول امرأة تُعدم بتهم القيام بجرائم سياسية، لذلك يبدو واضحاً وبشكل متزايد أن الحكومة السعودية لا تفسح أي مجال للمعارضة، حتى بات وضع حقوق الإنسان بحاجة للإستعراض الدوري الشامل في الأمم المتحدة.

 وآخر المستجدات في قضية حقوق الإنسان في السعودية، احتجاز الصحافي المعارض البارز جمال خاشقجي من قبل المسؤولين السعوديين في الثاني من أكتوبر 2018 في قنصلية المملكة في اسطنبول بشكل تعسفي، وإخفاؤه قسرياً، كما أن التحقيقات الأولية تضع إشارات الإتهام على السعودية وترجح أنها متورطة بقتله عبر أجهزتها الأمنية.  الصحافي جمال خاشقجي عاش وعمل في الولايات المتحدة منذ شهر يونيو 2017، بعد أن كان مستشارًا سابقًا للأمير السعودي تركي الفيصل، المدير السابق لوكالة الإستخبارات السعودية. قبل الفرار من المملكة، كان خاشقجي كاتباً معروفاً في صحيفة “الحياة”، لكنها قطعت علاقتها به في 13 كانون الأول\ ديسمبرعام 2017 بعد أن بدأ باتخاذ مسار أكثرنقداً ضد محمد بن سلمان. غادر خاشقجي المملكة العربية السعودية في يونيو 2017 الى واشنطن بعد خوفه من الاعتقال وعمل كاتباً في صحيفة واشنطن بوست منتقداً للسعودية. وفي آخر منشور له في سبتمبر 2018، قال: “نحن السعوديين نستحق الأفضل.” ومنذ اختفائه في الثاني من أكتوبر، دأب المجتمع الدولي لمعرفة الإجراءات السعودية المتوقعة ضده. بدورها أدانت الأمم المتحدة اختفاء جمال خاشقجي، وكذلك الرئيس التركي أردوغان، وإثنا وعشرون عضواً من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، ونائب الرئيس الأمريكي مايك بينس بالإضافة إلى آخرين ممن دعوا المملكة العربية السعودية للتحقيق في ملابسات قضية خاشقجي.

 

منذ الاستعراض الدوري الشامل لعام 2013، أظهرت المملكة العربية السعودية أنها تمنع مواطنيها من التفكير النقدي وأنها تقمع المعارضة. أضحت البيئة في المملكة العربية السعودية مقيدة بشكل متزايد أمام منتقدي الحكومة. فيجب على المجتمع الدولي استخدام الاستعراض الدوري الشامل القادم كأداة لإثبات عدم قابلية تلك القيود وتوافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعليه الكشف عن حقيقة الإصلاحات التجميلية التي لم تعد قادرة على تغطية حقيقة الإنتهاكات الواسعة والممنهجة للمملكة العربية السعودية ضد حقوق الإنسان، بما في ذلك قمع حرية الرأي والتعبير.