عاشوراء 2025 في البحرين: اضطهاد ديني وتضييق على حرية العبادة والمعتقد

المقدمة

في تصعيد مثير للقلق، تمارس قوات الأمن البحرينية هذا العام، كما في الأعوام التي سبقت، أقسى أنواع التضييق على الشعائر العاشورائية، وذلك من خلال حملة واسعة من الاستدعاءات والاعتقالات وتلفيق التهم وإزالة المظاهر الدينية في مختلف المناطق، بينما في المقلب الآخر تقدم الرواية الرسمية للحكومة صورة مثالية لتعاطيها مع موسم عاشوراء، زاعمة أنه “مرّ بنجاح” تحت رعايتها. هذا التناقض بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني يعكس ازدواجية معايير واضحة، حيث تُحاول السلطات تقديم نفسها كضامنة لحرية العبادة، في حين تمارس الاضطهاد الديني ضد الشيعة الذين يحيون خلال فترة محددة، شعائرهم العاشورائية المتجذرة عبر التاريخ.

شهد موسم عاشوراء في العام الماضي تصعيدًا ملحوظًا في التضييقات الأمنية، شمل استدعاءات واعتقالات واسعة، مع حظر صارم لبعض المراسم العاشورائية، خاصة في مناطق مثل الدراز. اتبعت السلطات سياسة الحصار الأمني، إلى جانب ملاحقة خطباء ورواديد، وفرض قيود على استخدام الأماكن العامة تحت ذرائع أمنية وتنظيمية، بينما أصدرت وزارة الداخلية بيانات رسمية أكدت نجاح الموسم وأشادت بـ”التعايش السلمي”، في خطاب بدا متناقضًا مع الواقع.

وفي  هذا العام، شهدنا مجددًا لكن مع وتيرة حادة ومتصاعدة بشكل أكبر، حملة الاستدعاءات والاعتقالات التي طالت 60 مواطنًا حتى إعداد هذا التقرير، مع ما تم توثيقه عبر الكاميرات من استخدام عنف غير مبرر على الاطلاق من قوات أمنية ضد مواطن بحريني يشارك سلميًا في تجمع بالدراز. ويضاف إلى ذلك  استمرار نمط الازدواجية في خطاب الحكومة بين الادعاءات الرسمية والانتهاكات الفعلية، من فرض قيود على الشعائر، إلى جانب تصاعد موجات الاعتقال والاستدعاءات للخطباء والرواديد والمعزّين واحتجازهم والعسكرة والحصار الأمني.

أولاً: التعدي على المواطنين والتحقيق في حادثة الدراز 

في مشهد يتكرر كل عام ويزداد قمعًا، شهد موسم عاشوراء لهذا العام 1447هـ/2025م حملة أمنية شرسة استهدفت المظاهر العاشورائية في مختلف المناطق البحرينية، ضمن إجراءات استهدفت الهوية الدينية والثقافية للطائفة الشيعية.

بدأ التصعيد الأمني بشكل عنيف وصارخ يوم الثلاثاء 25 يونيو 2025، حين اقتحمت قوات الأمن شارع الحديقة في بلدة الدراز لإزالة مجسمات ويافطات عاشورائية أقامها الأهالي استعدادًا لشهر محرّم الحرام. استخدمت القوات القمع المفرط في مواجهة مدنيين تجمعوا سلميًا للاعتراض على التعدي على مظاهر معتقداتهم. فما كان من القوات الأمنية إلا أن أطلقت أعيرة نارية ومطاطية، واعتقلت عددًا من المواطنين واعتدت عليهم بالضرب.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن قوات الأمن اقتحمت الدراز فجرًا مصطحبة جرافة بغرض إزالة مجسم فني أقيم ضمن أعمال موسم عاشوراء، رغم وجود تصريح رسمي يسمح ببقاء المجسمات والمضائف حتى تاريخ 13 محرّم، وقد تم إبلاغ الضابط المسؤول بهذه المعلومات من قبل الشباب القائمين على الأعمال وممثلين عن الأهالي، دون جدوى. تجاهل تعامل الضابط بعنجهية واضحة، متجاهلًا التصاريح البلدية والاتفاقات مع النائب البلدي، ورفض منح وقت كافٍ لإزالة المجسمات، بل سخر من الطلبات وقلّص المهلة من ساعة إلى نصف ساعة بشكل تعسفي.

عند تصاعد التوتر ومحاولة الأهالي احتواء الموقف، استدعي أحد رؤساء المآتم للتفاهم مع الضابط، وأكد له علم محافظ الشمالية المسبق بالمجسمات، إلا أن ذلك لم يغيّر من إصرار القوات على التصعيد، ليُستدعى رئيس المأتم بعدها إلى مركز شرطة البديع، وتبدأ القوات فعليًا في تنفيذ الهجوم.

خلال عملية الاعتداء التي وثقتها الكاميرات وشهود العيان، استخدمت القوات القنابل الغازية والصوتية والرصاص المطاطي لتفريق الأهالي. في الجانب الآخر من المسيرة، تعرض الشاب حسن العنفوز الذي كان يمشي منفردًا رافعًا راية عاشورائية للاعتداء. إذ أقدمت العناصر الأمنية إلى التوجه نحوه وأحاطته واعتدى عليه أحدهم بالضرب على رأسه بأداة حادة. وكما يظهر في مقاطع الفيديو التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، فقد وقع العنفوز على الأرض وصار ينتفض ويرفس برجليه وحيدًا مع نزف من الرأس. ترك لدقائق قبل أن يُسحل أرضًا، وقد أدى كل ذلك إلى كسر في الجمجمة ونزيف دماغي حاد استدعى نقله بسيارة إسعاف إلى قسم الطوارئ في مستشفى السلمانية بحالة حرجة، وإجراء عملية جراحية لوقف النزيف. وبعد خروجه من المستشفى في 3 يوليو 2025 جراء استقرار نسبي في حالته رغم عدم قدرته على المشي ومعاناته من صعوبة في النطق، ما لبث أن عاد إليها بعد أسبوع في 10 يوليو 2025 وهو في حالة حرجة وغيبوبة جزئية استدعت نقله بسيارة الإسعاف إلى المستشفى مرة أخرى، ولا يزال حتى اللحظة راقدًا في المشفى.  وبناءً على نتائج التخطيط تقرّر إجراء عملية جراحية عاجلة في 14 يوليو تهدف إلى التخفيف من احتمالية حدوث نوبات الصرع.

رغم توثيق هذه الجريمة بالصوت والصورة، اكتفت وزارة الداخلية ببيان مقتضب تبرر فيه ما جرى بأنه “إجراء قانوني ضد إشغال الطريق”، متهمة المتظاهرين بالاعتداء على قوات الأمن والتعدي على الممتلكات العامة، ومعترفة بإصابة مواطن خلال الحادثة، دون محاسبة المعتدين. في 10 يوليو 2025، وبعد مرور أكثر من أسبوعين على حادثة الاعتداء الوحشي الذي تعرّض له الشاب حسن العنفوز في بلدة الدراز صباح يوم 25 يونيو، أصدرت وحدة التحقيق الخاصة بيانًا رسميًا نفت فيه مسؤولية أعضاء قوات الأمن عن إصابة الشاب، مدعية أن الإصابة نجمت عن حجر ألقاه أحد المتجمهرين.

ورغم أن البيان جاء متأخرًا بشكل لافت، إلا أنه لم يقدّم جديدًا سوى مزيد من التعمية والمغالطات، حيث تضمّن رواية أحادية تُخالف ما وثّقته مقاطع الفيديو وشهادات الحاضرين، والتي أكدت وقوع الاعتداء على العنفوز بعد إلقاء القبض عليه مباشرة.

إن بيان وحدة التحقيقات لم يشر بأي شكل إلى ملابسات ما بعد الاعتقال، وتجاهل وجود رواية موثقة عن الضرب الذي تعرض له الشاب وهو أعزل، مما يضعف مصداقية نتائج التحقيق ويكرس سياسة الإفلات من العقاب التي تنتهجها حكومة البحرين لحماية المعتدين والتغطية على الانتهاكات.

ثانيًا: التعدي على المظاهر العاشورائية

في الأيام التي تلت بداية الحملة، استمر القمع وتوسّع ليشمل ما لا يقل عن 15 منطقة بحرينية خلال الأسبوع الأول من شهر محرّم. ففي 26 يونيو، استخدمت قوات النظام وجرافات البلدية لإزالة مضائف ومجسمات حسينية في مناطق مثل باربار، بينما خرج الأهالي في تظاهرات احتجاجية غاضبة رفضًا لهذه الممارسات.

بحلول 27 يونيو، تعرّضت جزيرة سترة، خصوصًا منطقة الخارجية، لهجمات مماثلة، تم فيها تمزيق رايات ومصادرة يافطات عاشورائية في مناطق مثل السنابس والبلاد القديم والسهلة والديه والجفير. استمرت الاعتداءات خلال 28 و29 يونيو في العاصمة وبلدات أخرى كالجفير والسنابس وأبوصيبع والشاخورة، حيث استخدمت إجراءات قسرية لإزالة كل مظاهر العزاء والشعائر.

في بداية يوليو، تحديدًا في 1 يوليو، تمّت إزالة مظاهر عاشورائية في قرية الغريفة وسط تجاهل كامل لحقوق الأهالي في ممارسة شعائرهم، بينما حاول النظام الترويج لصورته عبر زيارات شكلية للمآتم.

وصل الاستهداف الرمزي ذروته في 4 يوليو، حين أزيلت مظاهر السواد الحسيني من مسجد الخواجة التاريخي في قلب المنامة، دون أي مبرر قانوني، رغم أن المظاهر العاشورائية لم تكن تعيق حركة السير أو تشغل الفضاء العام. وفي 7 و8 يوليو، استمر القمع بإزالة يافطات تحمل صور الزعيم الروحي للطائفة الشيعية في البحرين الشيخ عيسى قاسم ورايات ترفع شعار عاشوراء في بلدة عالي، إلى جانب اعتداءات ليلية على يافطات في أبوصيبع، مع استمرار الاعتقالات ومصادرة كل مظاهر العزاء. إلا أن التعدي على المظاهر العاشورائية استمر حتى بعد انتهاء فعاليات العشر الأوائل من محرم الحرام، ومن بين ذلك، وثق في 10 يوليو تعدي قوات بملابس مدنية على اليافطات العاشورائية التي تحمل صور الشيخ قاسم في منطقة المصلى.

على وقع حملة القمع المستمرة، تصاعدت ردود فعل الأهالي في مختلف المناطق البحرينية عبر تظاهرات وفعاليات شعبية تعبّر عن غضبها واستنكارها للتعديات غير المبررة. في يوم 25 يونيو 2025، شهدت بلدة الدراز تجمعًا شعبيًا كبيرًا في فعالية تدشين موسم عاشوراء، حيث رفع الأهالي الرايات في المكان الذي جرى فيه تحطيم المجسمات من قبل وزارة الداخلية، مؤكدين رفضهم القاطع للاعتداء الذي طالهم.

وفي اليوم التالي في 26 يونيو رفعت راية عاشورائية ضخمة في بلدة المصلى، وأقيمت مراسم بحضور علماء وحشود شعبية، لكن في صباح اليوم التالي، تفاجأ المواطنون باختفاء الراية مما رفعهم لاستنكار ما أسموه عملية سرقة واعتداء جديد.

تواصلت ردود الفعل الشعبية من خلال قيام الفعاليات التضامنية في مناطق أخرى مثل القرية والنويدرات وكرباباد وباربار، مستنكرين الاضطهاد الديني ومطالبين بحقهم في التعبير عن انتمائهم الديني والمذهبي كما يسمح لغيرهم بذلك. وفي 9 يوليو 2025، شهدت منطقة أبوصيبع مسيرة تجسيدًا للتمسك بالهوية الدينية والوطنية في ظل الظروف القمعية. أما في ليلة العاشر من محرّم، فقد صدحت الهتافات في المسيرات الشعبية التي انطلقت في العاصمة المنامة للمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، ورفضًا للتطبيع.  ولا تزال هذه التظاهرات تتواصل بالتزامن مع تواصل الانتهاكات، ومن بينها تظاهرة في منطقة كرزكان تنديداً بالاضطهاد الطائفي واستنكاراً للتعدي على المظاهر العاشورائية، واعتقال واستدعاء الخطباء والرواديد وإدارات المآتم.

ثالثًا: العسكرة الأمنية والتضييق الممنهج

شهد موسم عاشوراء لهذا العام في البحرين تصعيدًا أمنيًا غير مسبوق، حيث كثّفت السلطات من انتشارها الأمني في مختلف المناطق، ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى التضييق على إحياء الشعائر الدينية. وقد تنوعت مظاهر هذا الاستنفار بين المداهمات، ومنع الخطباء، والاعتداء على الرموز، ونشر نقاط تفتيش ومراقبة مشددة على المواطنين والمعزين.

  • خطوة استفزازية:

هذه الرقابة المشددة تجسدت من خلال ما تم رصده من تواجد أمني مكثف في محيط المآتم والحسينيات، بل وداخل مواكب العزاء، حيث لاحقت القوات المشاركين، خصوصًا من كانوا يرتدون عصائب أو قمصانًا تحمل صور رموز دينية، وهو ما عدّه الأهالي خطوة استفزازية تهدف إلى تضييق الحريات وليس التنظيم، كما ادعت الجهات الرسمية. وقد أكدت مصادرنا أن التواجد الأمني في محيط المأتم ومواكب العزاء هدف أمني وليس كما تظهر السلطة بأنه هدفه تنظيمي، مشيرة إلى أن سبب هذه العسكرة الأمنية هو مراقبة الممارسات الدينية وتصوير المشاركين الذين يرتدون العصابات والملابس التي تحمل صورًا وشعارات.

  • مظاهر أخرى للاستنفار:

في بلدة الديه، بدأت الإجراءات الأمنية صباح 25 يونيو، حيث اقتحمت قوات الأمن البلدة، وجابت الدوريات الشوارع وسط حالة من التوتر والاستفزاز، طالت القائمين على الفعاليات والمعزين على حد سواء. كما شهدت البلدة تواجدًا ملحوظًا لما يُعرف بشرطة المجتمع، التي راقبت تحركات المصلين ومنعت تجمعاتهم.

وفي الدراز، استمرت السلطات في فرض حصار مشدد على البلدة منذ بداية موسم عاشوراء، تمثل في منع عدد من خطباء الفترة الصباحية من دخول البلدة، ما حال دون إحياء المجالس الحسينية بشكل طبيعي.

أما في رأس رمان، فقد أفاد الأهالي بتجول عناصر أمنية بلباس مدني في الشوارع، تراقب مواكب العزاء بطريقة استفزازية، إلى جانب تواجد شرطة المجتمع لرصد ومنع التجمعات الدينية.

وفي سياق متصل، نصبت السلطات نقاط تفتيش على مداخل ومخارج عدد من المدن، أبرزها نقطة تفتيش عند دوار القدم التي بدأت بالظهور مطلع يوليو، ما عكس سياسة رقابة شديدة على تحركات المواطنين خلال فترة العزاء.

العسكرة الأمنية بلغت ذروتها في ليلة العاشر من محرم، الموافق للخامس من يوليو، حيث انتشرت قوات النظام في محيط معظم البلدات من المواطنين الشيعة في محاولة لترهيب المشاركين ومنع الاحتشاد للعزاء. كما اقتحمت القوات بعض البلدات منها بلدة سار في يوم العاشر، وشرعت في تمزيق اليافطات العاشورائية والرموز الدينية، في سلوك اعتبره الأهالي انتهاكًا صارخًا لحرية المعتقد.

رابعًا: حملة استدعاءات واعتقالات موسعة

شهد شهر محرم هذا العام حملة واسعة من الاستدعاءات والاعتقالات والاحتجازات التعسفية في البحرين طالت 60 مواطنًا، واستهدفت فئة واسعة من المشاركين في إحياء الشعائر العاشورائية، وعلى وجه الخصوص رجال الدين والرواديد وخدام المآتم، في مشهد يعكس تصعيدًا واضحًا من قبل السلطات تجاه المظاهر الدينية التي تعبّر عن هوية مجتمع ومعتقداته.

بدأت هذه الحملة باستدعاء عدد من الخطباء المعروفين بخطاباتهم العاشورائية، حيث تم اعتقال الشيخ عيسى المؤمن بعد التحقيق معه في مركز شرطة البديع. وبعد 14 يومًا من الاعتقال التعسفي على خلفية إحياء مجالس عاشوراء، أفرج في 13 يوليو عن الخطيب الحسيني.

كما تم توقيف الشيخ كاظم درويش بسبب لعن يزيد، وتم حبسه لأربعة عشر يومًا قبل أن يُفرج عنه لاحقًا، فيما أُوقف الشيخ حسين عبدالكريم الجمري بعد مشاركته في إحياء المجالس، وجرى حبسه لأسبوع كامل بعد التحقيق معه، وقد جرى في 15 يوليو تجديد احتجازه لمدة 14 يومًا على ذمة التحقيق. ومن بين من شملتهم حملة الاستدعاء والاعتقال كل من السيد محيي المشعل، الشيخ علي رحمة، الشيخ ميثم السلمان، الشيخ حسين سلطان، والشيخ حسن القصاب، والشيخ محمد صالح القشعمي.

الرواديد لم يكونوا خارج دائرة الاستهداف، فقد طالتهم الاعتقالات والاستدعاءات بسبب أدائهم قصائد تتضمن شعارات عاشورائية أو إشارات تاريخية، حيث تم توقيف الرادود مجتبى العابد والرادود السيد محمود الموسوي، وجرى التحقيق معهما حول مضامين القصائد، قبل أن يُقرّر حبسهما أيضًا لمدة سبعة أيام. وفي 15 يوليو، مددت النيابة العامة احتجاز العابد لمدة 7 أيام والسيد الموسوي 15 يومًا إضافية على ذمة التحقيق. واستُدعي عدد من الرواديد المعروفين مثل مهدي سهوان ومرتضى البصري ويوسف القصاب وعلي حمادي وعلوي أبو غايب وعبدالأمير البلادي وجلال البلادي، وتعرض بعضهم للضغوطات الأمنية وطلب منهم توقيع تعهدات.

اللافت أن السلطات لم تكتفِ باستهداف من على المنبر، بل وسّعت نطاق الاستدعاءات ليشمل رؤساء وإداريي المآتم، الذين لم يكن ذنبهم سوى تنظيم مجالس العزاء أو رفع اليافطات أو تعليق الرايات السوداء، حيث تم استدعاء إداريي مآتم في مناطق مثل كرزكان والمالكية والدراز والدير والسنابس، وخضعوا جميعًا للتحقيق بشأن الأنشطة التي نظمت خلال عاشوراء، كما أجبر بعضهم على توقيع تعهدات بعدم تكرار “المخالفات”. من بينهم رئيس لجنة عزاء الدير، إدارة مسجد فاطمة الزهراء بمدينة حمد، رؤساء مآتم السنابس، مأتم الإمام الرضا في المالكية، ومأتم أنصار العدالة في الدراز. كما تم التواصل مع عدد من أصحاب المآتم مثل مأتم رأس رمان، حسينية أشبال الزهراء، وعدد من مآتم المنامة الأخرى، وتحذيرهم من توزيع عصابات الرأس التي تحمل شعارات دينية أو ارتداء قمصان التي تحمل صور القادة الشيعة البارزين.

وقد امتد القمع ليطال حتى من أحيوا شعائرهم الدينية، حيث تم اعتقال عدد من المواطنين بسبب ارتدائهم قمصانًا تحمل صورًا دينية أو شعارات حسينية، من بينهم مرتضى النشابة وحسين النشابة اللذين اعتقلا بعد اقتحام منزلهما في منطقة النعيم. وآخرون أفرج عنهم بعد احتجازهم والتحقيق معهم لأيام عدة، مثل محمد أنور الشهابي الذي حُكم عليه بالسجن لمدة شهر بسبب قميص يحمل صورة، محمد أحمد رضي الذي تم اعتقاله بسبب قميص يحمل شعارًا دينيًا، حسين هلال خليل الذي اعتقل بعد تعليقه لراية حسينية، وقاسم محمد يوسف السوري الذي استدعي للتحقيق وانقطعت أخباره لأيام.

اللافت أن حملة التضييق لم تستثنِ حتى القاصرين، حيث تم استدعاء عدد منهم في مناطق مثل المرخ والدراز، وتم التحقيق معهم دون حضور أولياء أمورهم أو السماح لهم بتوكيل محامين، من بينهم بينهم السيد محمد هاشم والسيد مهدي ميثم، ما يمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الطفل.

  • حملة تضييق مستمرة:

وقد استمرت الاستدعاءات والتحقيقات حتى بعد انتهاء العاشر من محرم، مستهدفة شخصيات دينية وثقافية بارزة. في 9 يوليو، استدعت الأجهزة الأمنية الشيخ حسن القصاب للتحقيق في مركز شرطة النعيم، ، والشيخ محمد صالح القشعمي على خلفية مشاركته في إحياء المراسم العاشورائية. كما استدعت إدارة مسجد “عتيق علي” الواقع بالعاصمة المنامة، وأبلغتهم رسميًا بقرار إلغاء المجلس الحسيني وفعالية العزاء الدينية التي كان من المزمع أن يشارك في الفعالية عدد من الرواديد والخطباء البارزين، ومنعت إقامة فعالية عاشورائية في مأتم بن خميس بمنطقة السنابس

في 12 يوليو، صادرت قوات الأمن الرايات الحسينية المثبتة على شارع القرية الرئيس، وفي اليوم التالي، أقدمت على إزالة مظاهر الحداد من قرية سترة الخارجية.

وبحسب مصادرنا، فإن أحد أبرز الأساليب التي لجأت إليها السلطات كان إرغام الخطباء والرواديد والمشاركين في الشعائر على توقيع تعهدات مكتوبة، تتضمن بنودًا تمنعهم من تكرار ممارساتهم الدينية، بما في ذلك الامتناع عن التطرق إلى شخصيات تاريخية، أو رفع صور رمزية، أو استخدام شعارات مثل “هيهات منا الذلة” و”هل من ناصر مقاوم”، في محاولة واضحة لتكميم الأفواه ومصادرة الوجدان الديني الشعبي.

خامسًا: ازدواجية الخطاب الرسمي

في الوقت الذي كانت فيه قوات الأمن البحرينية تمارس أقسى أنواع التضييق على الشعائر العاشورائية عبر الاستدعاءات والاعتقالات ومهاجمة بعض التجمعات السلمية وإزالة المظاهر الدينية في مختلف المناطق، كانت الرواية الرسمية للحكومة تسوّق صورة مثالية لموسم عاشوراء، زاعمة أنه “مرّ بنجاح” تحت “رعاية ملكية سامية”، في تناقض فجّ بين الخطاب الإعلامي والواقع.

بدأ الأمر في 25 يونيو ، قبيل انطلاق موسم عاشوراء مع وزير الداخلية في كلمته السنوية أمام رؤساء ومسؤولي المآتم، داعى فيها إلى جعل عاشوراء “فرصة لإظهار صدق الالتزام وعمق المسؤولية”. لكن هذه اللغة الهادئة سرعان ما تهاوت أمام الإجراءات الأمنية القمعية التي بدأت تطبق سريعًا.

 كما كان  أصدر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية قبل ذلك في 19 يونيو ، بيانًا مثيرًا للجدل حول موسم عاشوراء، بسبب استخدامه لعبارات فضفاضة مثل “الانسياق خلف الشائعات المغرضة” و”الدعوات الخارجة عن الحكمة” و”المساس بالثوابت أو إثارة الفتن”، بهدف تقييد الفضاء العام وخلق مناخ من التخويف والرقابة الذاتية. وهو ما رآه كثيرون محاولة من الدولة لوضع قيود على مضمون وتوقيت الشعائر الحسينية، ما أثار انتقادات واسعة واتهامات بالتدخل المباشر في الحريات الدينية.

في العاصمة المنامة ومناطق أخرى،  وجهت الأجهزة الأمنية تحذيرات شفهية إلى عدد من المآتم، دون أي سند قانوني. تلا ذلك تصعيد واضح مع نشر شرطة المحافظة الشمالية بيانًا رسميًا أعلنت فيه عن اتخاذ إجراءات قانونية بزعم وجود مخالفات تتعلق بإشغال الطريق في الدراز. ووفق رواية الأمن، تعرض عناصر الشرطة للاعتداء بالحجارة، فيما أظهرت مقاطع مصورة استخدام القوة المفرطة ضد المواطنين واعتقال بعضهم، والتعدي السافر على المظاهر الدينية.

ردود الفعل الرسمية تضمنت تفعيل وزارة الداخلية خاصية إخفاء الردود على منشوراتها في وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة واضحة لحجب غضب الشارع وفرض رقابة على الرأي العام، وهو ما أثار مزيدًا من السخط الشعبي.

في الوقت نفسه، واصل بعض النواب والمسؤولين في البرلمان العربي الإشادة بالرعاية الملكية لموسم عاشوراء، واصفين ما جرى بأنه تجسيد للتماسك الوطني، في خطاب بدا منفصلًا تمامًا عن حقيقة ما كان يحدث في الشارع.

وفي ذروة الانتهاكات، أعاد وزير الداخلية التأكيد على نجاح الموسم وأشاد بالأداء الأمني، في تصريحات بدت متناقضة مع التوثيقات الحقوقية والاحتجاجات الشعبية واستمرار الانتهاكات.

رغم الانتهاكات، تصر وزارة الداخلية على وصف البحرين بأنها “نموذج للتعايش” وموسم عاشوراء بأنه “مرّ بنجاح”، في خطاب إعلامي رسمي يعكس محاولة لتبييض صورة النظام دوليًا في غياب ضمانات حقيقية لحرية الدين والمعتقد. في الوقت نفسه، تُمارس السلطات ازدواجية واضحة، حيث تضيق على المظاهر الدينية الشيعية بشدة، بينما تغض الطرف عن التحريض الطائفي ضد الشيعة على منصات التواصل الاجتماعي، من دون محاسبة.

تأتي هذه الانتهاكات في ظل غياب أي مسوّغ قانوني لمنع الشعائر أو استهداف المظاهر العاشورائية بذريعة “عدم الترخيص” أو “إشغال الطريق”، رغم أن هذه المظاهر متجذرة في تاريخ الطائفة الشيعية وتمارس منذ مئات السنين. كما أن هذه الانتهاكات، تعد مخالفة لإجراءات للمادة 22 من الدستور البحريني التي تكفل حرية الضمير والمعتقد، وللمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه البحرين.

التوصيات 

خلف عناوين التهاني والتبريكات الرسمية بمناسبة نجاح موسم عاشوراء، وما رافقها من إشادة بالجهود المبذولة لإنجاح الموسم وتوفير المقومات الضرورية له، سُجّل ما هو خلاف ذلك من انتهاكات جسيمة وممنهجة رافقت إحياء الشعائر الدينية، في خرق واضح لحرية المعتقد وحرية التعبير التي تضمنها الدستور والمواثيق الدولية.

انطلاقًا مما سبق، تطالب منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين بما يلي:

  •     فتح تحقيق جدي ومستقل في حادثة الاعتداء على الشاب حسن العنفوز، ومحاسبة كل من أمر ونفّذ.
  •     الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين على خلفية مشاركتهم في الفعاليات العاشورائية والتعويض لهم على الانتهاكات التي تعرضوا لها.
  •     وقف كافة أشكال التمييز الطائفي وسياسة التضييق على الحريات الدينية للمواطنين الشيعة.
  •     إلغاء كافة الإجراءات الأمنية الاستفزازية ومظاهر عسكرة الفضاء الديني.
  • محاسبة جميع المتورطين بالانتهاكات ضد الحريات الدينية للشيعة خلال موسم عاشوراء.
  • دعوة المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان والهيئات الأممية، إلى اتخاذ خطوات عاجلة للضغط على حكومة البحرين لاحترام التزاماتها الدولية.

تحمّل منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB) وزارة الداخلية في البحرين المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذه الانتهاكات الممنهجة، وتطالبها بوقف جميع أشكال التضييق والاعتداء على المواطنين الشيعة، ومحاسبة المعتدين، والإفراج الفوري عن الموقوفين وإسقاط جميع التهم الموجهة ضدهم.

كما تطالب المنظمة حكومة البحرين باحترام الدستور البحريني والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الدين والمعتقد، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتدعوها إلى الكفّ عن السياسات التمييزية ضد المواطنين الشيعة، وضمان حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية وأمان، دون تهديد أو قمع.