لماذا يؤدي التداول مع مجلس التعاون الخليجي إلى التواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان

في السنوات الأخيرة، بدأت دول مجلس التعاون تلعب دورًا متزايد الأهمية في التجارة الدولية، ويعود هذا التغيّر بشكلٍ رئيسٍ إلى التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي تمرّ بها العديد من هذه الدول. ومع ذلك، غالبًا ما يُستخدم هذا التقدّم لإخفاء الانتهاكات المستمرّة لحقوق الإنسان والقمع الذي يحدث داخل هذه البلدان. ولهذا السبب، فإنّ حقيقة قيام العديد من الدول حول العالم بإجراء مفاوضاتٍ مهمّةٍ مع دول مجلس التعاون الخليجي تعني أنّها، هي الأخرى، متواطئةٌ في هذه الانتهاكات.

من بين الدول التي تجري مفاوضات مع مجلس التعاون الخليجي المملكة المتحدة. لقد دخلت الأخيرة في محادثات مع المجلس منذ فترة بخصوص إبرام اتفاقية تجارة حرة، والتي من شأنها توسيع آفاق العلاقات بين الدول المعنية. ومع ذلك، منذ بدايتها، واجهت إمكانية أن تتحوّل هذه الاتفاقية إلى واقع قلق العديد من منظمات حقوق الإنسان.

من المعروف أن دول الخليج تمتلك سجلًا متدنّيًا جدًا في مجال حقوق الإنسان، لا سيما في حقوق العمال. في السعودية على سبيل المثال، تم التحدث كثيرًا عن الانتهاكات التي يتعرّض لها العمال في مواقع البناء الخاصة بكأس العالم 2034 أو مشروع نيوم. أما في قطر والإمارات، فيُجبر العديد من العمال على العمل لساعات طويلة تحت حرارة الشمس الحارقة دون إمكانية الراحة في الظل. وأخيرًا، هناك مشكلة نظام الكفالة، وهو النظام المعمول به في دول الخليج الذي يربط العمال بأصحاب العمل بشكل وثيق، مما يحوّلهم عمليًا إلى العبودية الحديثة.

مع ذلك، لا يبدو أن هذه القضايا تردع المملكة المتحدة عن إتمام مفاوضاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي. وهذا ليس جديدًا على المملكة المتحدة، إذ إنها سبق أن قدمت مساعدات للدول الخليجية أدت إلى انتهاكات لحقوق الإنسان. من الأمثلة على ذلك بيع المملكة المتحدة أسلحة بقيمة 23 مليار جنيه إسترليني إلى السعودية خلال حرب الأخيرة على اليمن. علاوة على ذلك، فإن التقرير الذي يحتوي على النهج الاستراتيجي للمملكة المتحدة بشأن إنشاء اتفاقية تجارة حرة مع مجلس التعاون الخليجي لا يتضمّن أي مؤشر واضح بشأن حقوق الإنسان. وأخيرًا، يجب التنويه إلى أن لا المملكة المتحدة ولا دول مجلس التعاون الخليجي قد صدّقا على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العاملين المهاجرين وأفراد أسرهم.

في ضوء كل هذا، تم استجواب الحكومة البريطانية مرات عدة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي قد تؤدي إليها مثل هذه الاتفاقية. علاوة على ذلك، اتخذت العديد من منظمات حقوق الإنسان إجراءات لضمان أن تنظر الحكومة البريطانية، قبل التوقيع على هذه الاتفاقية، في إدخال فصل يحدد كيفية حماية حقوق الإنسان من قِبل كل من المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. وفقط في ظل هذه الشروط، سيكون إنشاء مثل هذه الاتفاقية مقبولًا.

على الرغم من الطلبات المستمرة والمخاوف المثارة، إلا أن الحكومة البريطانية لا تبدو مستعدة لإدخال الضمانات اللازمة. بل على العكس، تستمر المناقشات مع دول مجلس التعاون الخليجي دون الكشف عن الكثير، ويبدو أن التصديق على هذه الاتفاقية أصبح أكثر احتمالًا يومًا بعد يوم. ومع ذلك، من دون هذه الضمانات، فإن هذه الاتفاقية ستجعل المملكة المتحدة مرة أخرى متواطئة في الانتهاكات التي تواصل هذه الدول ارتكابها بحق حقوق الإنسان.

على أي حال، هناك العديد من الدول الأخرى المستعدة لإجراء الأعمال مع مجلس التعاون الخليجي والتي تناقش أو أبرمت بالفعل اتفاقيات أو استثمارات في الخليج. ومع ذلك، من خلال قيامها بذلك، تصبح هذه الدول متواطئة في الانتهاكات التي تحدث هناك. وعلى الرغم من أن الأدلة تُنكر باستمرار، فإنه من المهم مواصلة التحدث وتسليط الضوء على هذه الحوادث لدفع هذه الحكومات إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه مجلس التعاون الخليجي وعدم الانخداع بدعايته.