تُظهر قراءة الواقع الحقوقي في الإمارات أنّ حرية التعبير تبقى، في أغلب الأحيان، وعدًا دستوريًا غير مُتحقّق. ففي حين تنصُّ المادة 30 من الدستور على أن “حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة، وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون”، تُقيَّد هذه الحرية عمليًا باستثناءات قانونية واسعة تمنح السلطات قدرة شبه مطلقة على التحكم في الخطاب العام وتجريم أشكال المعارضة. ونتيجة لذلك، يُواجَه أي انتقاد موجّه إلى الدولة أو الأسر الحاكمة بإجراءات عقابية وانتقامية.
وقد أصدرت دولة الإمارات دستورها الأول عام 1971 عقب قيام الاتحاد، متضمّنًا بنودًا تنظّم الحكم وتحدّد حقوق المواطنين وواجباتهم، إلى جانب تأكيده على حقوق أساسية، منها حرية التعبير والمساواة أمام القانون وحماية الحرية الشخصية. ورغم ذلك، تعرّضت هذه الضمانات للتقويض المستمر بسبب نصوص قانونية مبهمة تُفرغها من مضمونها العملي.
وشهد الحق في حرية التعبير بشكل خاص قمعًا أكبر نتيجة التعديلات المتكررة على القانون الاتحادي (قانون العقوبات)، التي وسّعت نطاق الخطاب المُعاقَب عليه وطمست الحدود بين النقد المشروع والجريمة الجنائية. وتُجسّد المادتان 183 و184 هذا النهج؛ إذ تفرض المادة 183 عقوبة بالسجن مدة لا تقل عن (15) خمس عشرة سنة ولا تزيد على (25) خمس وعشرين سنة والغرامة على كل من سخر أو أهان أو أضرّ بسمعة أو هيبة رئيس الدولة، فيما تفرض المادة 184 من سخر أو أهان أو أضرّ بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة أو إحدى سلطاتها أو مؤسساتها، أو أي من قادتها المؤسسين أو أي من رموزها الوطنية. كما تنصّ المادة 9 على أنّ الأحكام الخاصة بالجرائم ضد رئيس الدولة تسري بالقدر نفسه على الجرائم المرتكبة ضد نائب الرئيس وأعضاء المجلس الأعلى للاتحاد وأولياء عهودهم ونوابهم. وبذلك، تشكّل هذه النصوص حائطًا قانونيًا يحمي كبار المسؤولين ويُعطّل أي إمكانية لمساءلتهم أو انتقادهم بصورة فعّالة.
وإلى جانب هذه القيود، يرسّخ المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الرقابة على الخطاب العام بصورة أعمق، إذ تُجرّم المادة 43 الإهانات عبر الإنترنت وتعتبر تلك الموجّهة إلى مسؤولين حكوميين ظرفًا مشددًا يستوجب عقوبات أشدّ.
ولم تظل هذه القوانين التقييدية حبيسة النصوص؛ فقد استُخدمت مرارًا لتجريم مواطنين إماراتيين مارسوا حقهم في حرية التعبير.
ومن أبرز الأمثلة قضية “النشطاء الإماراتيون الخمسة” الذين اعتُقلوا عام 2011 بتهمة إهانة مسؤولين رفيعي المستوى، وهي قضية أثارت اهتمامًا دوليًا واسعًا نظرًا لدلالاتها السياسية وشدّة العقوبات المفروضة على تعبير سلمي عبر الإنترنت. وكان من بين المعتقلين المدوّن والناشط الإماراتي أحمد منصور، الذي نال عفوًا في نهاية العام نفسه قبل أن يُعتقل مجددًا عام 2017 ويُحكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا بتهمة نشر معلومات “كاذبة وضارة” عن الدولة.
شهدت الإمارات في عام 2012 محاكمة جماعية عُرفت باسم الإمارات 94 أدّت إلى ملاحقة 94 ناشطًا إماراتيًا وإدانتهم على خلفية ممارستهم السلمية لحقوقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات. وبعد أكثر من عقد على تلك المحاكمة، وبرغم انتهاء معظمهم من تنفيذ أحكامهم، أعادت السلطات توجيه الاتهامات لعدد من أعضاء المجموعة بزعم ارتباطهم بمنظمات إرهابية، ما أسفر عن احتجازهم مجددًا. ويعكس هذا التجدد في الاتهامات – رغم غياب الأدلة ووجود خروقات دستورية واضحة – نهجًا يهدف إلى إبقاء الأصوات المعارضة خلف القضبان لفترات غير محدودة عبر إعادة توظيف الأطر القانونية لإسكاتهم حتى بعد انتهاء محكومياتهم.
وتُشابه البنية الدستورية في الإمارات، رغم ما تتزيّن به من وعود بالحرية، أداة قمع أكثر منها ضمانة للحقوق. فمن خلال القوانين المبهمة، والمواد الواسعة في تشريعات الجرائم الإلكترونية، والملاحقات القضائية ذات الدوافع السياسية، بنت الدولة منظومة يصبح فيها التعبير عن الرأي ليس فقط مثبَّطًا، بل مُجرَّمًا، منتهكةً بذلك بشكل صارخ المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ما تزال الإمارات ترفض التصديق عليه. وتُبرز قضايا النشطاء الإماراتيون الخمسة، وأحمد منصور، والإمارات 94 نمطًا مستمرًا: فكل من يرفع صوته يُسكت، لا مرة واحدة، بل مرارًا، بما يضمن الإبقاء على “وهم الاستقرار” عبر واقعٍ قائم على الخوف.

