من الزنزانة إلى ما بعد الإفراج: آثار سوء معاملة السجناء والإهمال الطبي الممنهج في البحرين

مقدمة

تعكس تجارب المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي في البحرين واقعًا مأساويًا حيث لا تنتهي معاناتهم عند الإفراج عنهم، بل تمتد آثار التعذيب وسوء المعاملة التي تعرضوا لها لسنوات طويلة، وترافقهم في حياتهم اليومية على المستوى الجسدي والنفسي والاجتماعي. لقد أصبح التعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من الرعاية الطبية الأساسية، أداة ممنهجة لممارسة الضغط وكسر الإرادة أثناء الاحتجاز، وتترك آثارًا مستمرة تتجاوز حدود السجن، لتشكل عبئًا دائمًا على الأفراد وعائلاتهم بعد الإفراج.

يعتمد هذا التقرير على شهادات مباشرة للمفرج عنهم، وتوثيقات طبية دقيقة، وتقارير منظمات حقوقية دولية، بما فيها منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB)، لتسليط الضوء على الآثار الطويلة الأمد للتعذيب وسوء المعاملة على الصحة الجسدية والنفسية. تظهر هذه الحالات أن بعض المعتقلين دخلوا السجن وهم يعانون من أمراض مزمنة، بينما أصيب آخرون بإعاقات ومضاعفات مباشرة نتيجة التعذيب، بما في ذلك الإصابات العصبية والعضلية، مشاكل في الحركة، فقدان السيطرة على وظائف الجسم الحيوية، واضطرابات حادة في الصحة العقلية.

كما تكشف التجارب الموثقة عن أضرار نفسية مستمرة بعد الإفراج، تشمل اضطرابات ما بعد الصدمة، القلق والاكتئاب، صعوبات النوم، اضطراب العلاقات الاجتماعية، وفقدان القدرة على إعادة الاندماج في المجتمع والعمل. وتوضح هذه الحالات أن المعاناة لا تنتهي عند انتهاء فترة السجن، بل تتحول الاحتجازات والتعذيب إلى تجربة مؤلمة مستمرة، تؤثر في حياة المفرج عنهم وعائلاتهم على المدى الطويل.

يشير  التقرير، من جهة أخرى، إلى توثيقات منظمة ADHRB التي تكشف أن الانتهاكات لا تتوقف عند الإفراج عن السجناء السابقين أو استجواب المعتقلين الحاليين والحكم عليهم، بل تستمر بحق المحكومين الحاليين رغم مرور سنوات على اعتقالهم واستجوابهم والحكم عليهم، ما يجعل الاحتجاز حلقة متكررة من المعاناة الجسدية والنفسية. تُظهر الحالات الموثقة استمرار التعذيب والإهمال الطبي، بما في ذلك عدم توفير العلاج للإصابات المزمنة والمضاعفات الصحية الناتجة عن التعذيب، والإهمال في الرعاية النفسية، ما يؤدي إلى تدهور حاد في صحة السجناء ويهدد حياتهم. تؤكد هذه التوثيقات أن الانتهاكات في السجون البحرينية ليست أحداثًا معزولة أو مؤقتة، بل تشكل دورة متواصلة من سوء المعاملة الجسدية والنفسية، مع آثار ممتدة قبل الإفراج وبعده.

ويبرز التقرير أيضًا الدور المحدود للمؤسسات الرقابية الرسمية، التي فشلت في توفير الحماية أو مساءلة المسؤولين، ما أتاح استمرار الإفلات من العقاب وتعميق آثار الانتهاكات على المعتقلين السابقين. من خلال تحليل الحالات الموثقة، يوضح التقرير كيف أن التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي ليست مجرد أحداث نتائجها مؤقتة، بل عقوبات تمتد  آثارها  في الأفراد لسنوات طويلة من الإفراج، وربما طوال حياتهم، وتؤكد الحاجة الملحة لتعويض الضحايا وضمان علاجهم النفسي والجسدي وإعادة تأهيلهم بشكل كامل.

أولًا: الإهمال الطبي الممنهج في السجون البحرينية

في البحرين، ما زال التعذيب وسوء المعاملة يشكلان ركيزة أساسية في تعامل السلطات مع المعتقلين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إذ يتعرض الكثير منهم للتعذيب الجسدي والنفسي منذ لحظة الاعتقال وخلال التحقيق، ثم يُتركون ليواجهوا آثار التعذيب والإهمال الطبي الممنهج داخل السجون. هذا النمط المستمر من الانتهاكات جعل من السجون البحرينية بيئة مدمرة للصحة الجسدية والنفسية، حيث يتحول الحرمان من العلاج إلى أداة عقاب طويلة الأمد تهدف إلى كسر المعتقلين وإسكات أصواتهم.

يبدأ الإهمال منذ المراحل الأولى بعد التعذيب، إذ لا تُعالج الإصابات الناتجة عنه، ككسور العظام، أو تلف الأعصاب، أو الأضرار الناتجة عن الضرب على الرأس والأعضاء التناسلية. كثير من المعتقلين أصيبوا بجروح خطيرة خلال التعذيب لكنهم لم يتلقوا أي علاج طبي داخل السجن، رغم تقديم شكاوى موثقة إلى الجهات الرسمية. واستمر الإهمال لسنوات طويلة، ما أدى إلى تفاقم الإصابات وتحولها إلى أمراض مزمنة، بعضها تطلب تدخلًا جراحيًا بعد مرحلة الإفراج.

هذا النمط لا يقتصر على الأفراد، بل يمثل سياسة عامة داخل السجون البحرينية، حيث وثّقت منظمات حقوقية حالات عديدة لمرضى يعانون من أمراض خطيرة كالقلب والسكري والجلد، ويُحرمون من العلاج عمدًا. يُمنع السجناء من الوصول إلى المستشفيات أو الأطباء المختصين، وتُرفض طلباتهم للعلاج أو حتى لتلقي الأدوية الأساسية. وفي بعض الحالات، يُستخدم العزل الانفرادي كعقوبة للمطالبة بالعلاج.

ولا تنتهي هذه الممارسات عند حدود السجن، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد الإفراج، إذ يخرج المعتقلون وهم يعانون من أمراض جسدية ونفسية مزمنة نتيجة التعذيب والإهمال الطبي. معظمهم يُحرمون من العلاج المجاني بعد الإفراج، ويواجهون صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية المتخصصة بسبب القيود الأمنية أو ضعف الدعم الرسمي. البعض منهم اضطروا لإجراء عمليات جراحية على نفقتهم الخاصة بعد سنوات من الألم، في حين يعاني آخرون من فقدان دائم للأسنان، أو اضطرابات في السمع والبصر، أو إصابات في المفاصل والأعصاب. كما يعاني معظمهم السجناء السياسيون المفرج عنهم من آثار نفسية قد تصل إلى حد الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، نتيجة التعذيب والعزل وسوء المعاملة.

إنّ هذا الترابط بين التعذيب والإهمال الطبي، يعكس سياسة متعمدة تهدف إلى إطالة آثار التعذيب إلى ما بعد انتهاء فترة الاعتقال، بحيث يبقى الجسد والمجتمع شاهدين على المعاناة. وبذلك، لا يمثل الإهمال الطبي مجرد انتهاك إنساني، بل هو استمرار ممنهج لعملية التعذيب نفسها، واستمرار لسياسة الافلات من العقاب المتفشية في البحرين.

ثانيًا: الإهمال الطبي وحرمان السجناء من الرعاية الصحية

يُظهر النمط الموثّق من الانتهاكات أنّ الإهمال الطبي في البحرين هو سياسة عقابية ممنهجة تستهدف المعتقلين السياسيين والناشطين الحقوقيين. فقد وثّقت منظمة ADHRB عشرات الحالات التي تم فيها حرمان السجناء عمدًا من العلاج، رغم معاناتهم من أمراض مزمنة أو إصابات مباشرة نتيجة التعذيب، وهو ما يحوّل الرعاية الصحية من حق أساسي إلى أداة للانتقام والتنكيل داخل السجون.

  • معتقلون دخلوا السجن وهم يعانون من أمراض مزمنة

تظهر القضايا أن كثيرًا من المعتقلين دخلوا السجن وهم بحاجة إلى متابعة طبية دقيقة، بسبب إصابتهم بأمراض مزمنة مثل السكري، ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، والكلى. إلا أن السلطات منعتهم من تلقي العلاج أو من الالتحاق بالمستشفيات في الوقت المناسب. مثال على ذلك حامد جعفر المحفوظ، الذي أُفرج عنه بموجب عفو ملكي في أبريل 2024 بعد معاناة طويلة من مرض السكري والتهابات اللثة، ما أدى إلى تساقط أسنانه وتفاقم أمراض الفم واللثة. وبعد الإفراج، أشار المحفوظ إلى أنه لم يتلق العلاج اللازم لتركيب الأسنان، ما يوضح أن حرمان المفرج عنهم من الرعاية الطبية يستمر حتى بعد خروجهم، فيما يشبه تمديدًا غير رسمي للعقوبة.

كما يُعد محمد حسن عبدالله (الرمل) نموذجًا آخر، إذ أن حالته الصحية تدهورت منذ اعتقاله في نوفمبر 2015، وكان يعاني من مشاكل في المعدة زادت حدتها بسبب الحرمان من العلاج والفحوصات. وأدى هذا الإهمال إلى وصوله إلى مرحلة التقيؤ الدموي، كما حرم من إجراء عملية كانت مقررة له في ديسمبر 2023، وخضع لنقلات متكررة إلى المستشفى دون أن يعرض على أخصائي لتشخيص حالته بشكل كامل، بينما استمرت تداعيات هذا الإهمال إلى ما بعد الافراج عنه.

  • حالات ناتجة مباشرة عن التعذيب

في فئة أخرى من المعتقلين، لم يكن المرض موجودًا قبل الاعتقال، بل كان نتيجة التعذيب المباشر والممنهج. فقد وثّقت ADHRB حالات لأفراد أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة الضرب، الصعق الكهربائي، الحرمان من النوم لساعات وأيام، وإجبارهم على الوقوف في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة، ما أدى إلى إصابات في العمود الفقري والمفاصل. كما عانى بعض المعتقلين من أمراض نفسية حادة نتيجة التعذيب الجسدي والتهديد بالاعتداء الجنسي، مثل حالات قاصرين تعرضوا للصعق والضرب والتهديد الجنسي لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها.

تعد حالة سيد كاظم عباس مثالًا صارخًا على هذه الفئة، حيث توفي في فبراير 2020 نتيجة سرطان دماغي تراكم خلال فترة اعتقاله في سجن جو بين عامي 2015 و2018. فقد ظهر عليه انتفاخ في الأنف والوجه، صداع شديد، قيء مستمر، ألم في المعدة والظهر والمسالك البولية، مع فقدان نحو ربع وزنه خلال مايو 2018، دون أن تتخذ إدارة السجن أي إجراءات طبية فعالة. وعندما أُدخل إلى المستشفى العسكري، تلقى علاجًا جزئيًا، حيث تم استخدام المسكنات وقطرات الحقن الوريدي، لكنها أدت إلى ظهور أعراض جانبية شديدة مثل الهلوسة وضعف الذاكرة، وفقدان القدرة على التركيز والقراءة. أُجريت له عملية مستعجلة لإزالة الورم في يونيو 2018، إلا أن ضعف النظر وفقد القدرة على التعرف على الأشخاص استمر بسبب الإهمال الطبي بعد العملية، ما أسفر عن وفاته لاحقًا، لتكون مثالًا حيًا على الانتهاكات المنهجية التي أودت بحياة المعتقلين.

  • أمراض ناجمة عن سوء الأوضاع في السجن

إلى جانب التعذيب المباشر، ساهمت الظروف غير الإنسانية للاحتجاز في تفاقم الأمراض وانتشار العدوى. فالازدحام الشديد، رداءة التهوية، وانعدام النظافة في سجن جو ومركز الحوض الجاف ساهمت في انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية، فيما اشتكى السجناء من عدم توافر المياه النظيفة والأدوية. كما وثّقت حالات وفاة نتيجة الإهمال الطبي، أبرزها حالة عباس مال الله الذي توفي عام 2021 إثر أزمة قلبية بعد حرمانه المتكرر من العلاج، وحالة حسين بركات الذي توفي بعد إصابته بفيروس كورونا داخل السجن بسبب غياب الرعاية الطبية.

من بين الحالات البارزة الأخرى، محمد عبد النبي عبدالله (الخور) المحكوم بالسجن مدى الحياة، بدأ صحته بالتدهور منذ يوليو 2020 بسبب ألم في المفاصل والأذنين، ولم يُنقل إلى المستشفى ولم يُعرض على طبيب مختص، فخاض إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في يناير 2021 احتجاجًا على المماطلة، وتدهورت حالته الصحية بشكل بالغ قبل أن يُنقل إلى مستشفى القلعة دون تشخيص فعّال، بينما تواصل إدارة السجن حرمانه من العلاج الحقيقي.

قضية القاصر علي مهدي عليوي توضح أيضًا حجم الانتهاكات ضد صغار المعتقلين؛ فقد اعتقل علي وهو في 17 من عمره، ونتيجة التعذيب والإهمال الطبي ظهرت عليه أعراض نفسية حادة، منها الهلوسة، العصبية الشديدة،  مرض هوس نتف الشعر، ورفض الزيارات العائلية، دون أي تدخل من السلطات لتقديم العلاج النفسي أو متابعة حالته مع اختصاصي.

إضافة إلى ذلك، عيسى جعفر العبد، الذي خضع لعدة عمليات قلبية منذ الطفولة، حُرم من الرعاية الطبية خلال الأشهر الأولى من اعتقاله، ولم يُعرض إلا بعد تدهور حالته الصحية، وتكرر فشل العمليات الجراحية التي أجريت له، ما أدى إلى معاودة تدهور صحته، بينما حبيب علي الفردان، الذي أجرى عملية دماغية كبيرة قبل اعتقاله، منع من إجراء الرنين المغناطيسي الدوري، ما أدى إلى تفاقم حجم الورم وظهور أعراض شديدة مثل ضعف الذاكرة وفقدان الوعي المتكرر والصداع المزمن. كذلك، منصور عبدالواحد الدولابي، الذي يعاني من حروق منذ الطفولة وورم دماغي، تعرّض للعزل والحبس الانفرادي وحرمان من العلاج، مما أضرّ بقدرته على الحركة وبصحته العامة، بينما أسامة نزار الصغير حُرم من العلاج لوجود شظايا في جسده وأصبح يعاني من آلام مستمرة في إصبعه الأيمن.

أمثلة على الإهمال الطبي الجماعي
خلال احتجاجات أغسطس 2024 في سجن جو عقب وفاة السجين السياسي حسين خليل إبراهيم نتيجة الإهمال الطبي، قطعت السلطات الكهرباء والتكييف لساعات طويلة في درجات حرارة تجاوزت 50 مئوية، وحرمت السجناء من الطعام والماء والتشمس والاتصالات والزيارات العائلية، ومنعت المرضى من حضور مواعيدهم الطبية، بما في ذلك المصابون بأمراض القلب والكلى، مما عرض حياتهم لخطر بالغ. وغالبًا ما يُعاقب المرضى الذين يطالبون بتحسين ظروفهم الصحية بالعزل الانفرادي أو العزل مع سجناء أجانب جنائيين أو الحرمان من الخدمات الأساسية، ما يعكس سياسة ممنهجة للانتقام والعقاب داخل السجون.

ثالثًا: التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون

منذ العام 2011 وحتى العام 2019، وثّقت التقارير تورّط وزارة الداخلية البحرينية بشكل مباشر في ما لا يقل عن 570 حالة تعذيب، تمت جميعها تحت إشراف وزير الداخلية راشد بن عبد الله آل خليفة. وقد كشفت الملفات الأسبوعية الصادرة عن المنظمة عن قضايا تعذيب نفذها كبار المسؤولين، من بينهم الوزير نفسه، الذي تورط في تعذيب الناشط علي حسن العرادي شخصيًا. تعرّض العرادي خلال فترة احتجازه لأساليب متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، حيث ضُرب بعنف على رأسه وأعضائه التناسلية باستخدام الهراوات والقضبان الخشبية، وظل معصوب العينين طوال فترة التحقيق، وأُجبر على الوقوف لساعات طويلة، وحُرم من النوم ومن دخول المرحاض، وتعرض لتهديدات تطال أسرته. وقد أسفر هذا التعذيب عن كسر في يده وفقدانه السمع في أذنه اليسرى، كما جرت محاكمته بناءً على اعترافات انتُزعت منه تحت التعذيب.

ورغم هذه الأدلة والوثائق، ورغم ما أكده تقرير لجنة بسيوني من مسؤولية وزير الداخلية في هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لم تتم محاسبته أو التحقيق معه، بل واصل توجيه التهديدات لكل من ينتقد عمل وزارته أو يوجه إليه اتهامات بالتعذيب، متذرعًا بالقضاء لملاحقة الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان. هذا الواقع أسس لسياسة قائمة على الحماية الممنوحة لأفراد العائلة الحاكمة وكبار المسؤولين، مما أدى إلى تفشي ظاهرة الإفلات من العقاب. وقد انعكس ذلك بوضوح على أوضاع السجون، حيث أصبح التعذيب والانتهاكات اليومية ضد السجناء السياسيين أمرًا روتينيًا دون أي رادع قانوني أو محاسبة.

وثّق السجناء السياسيون عددًا من ضباط وزارة الداخلية المتورطين في سوء معاملة السجناء وتعذيبهم على أسس سياسية وطائفية، من بينهم الضباط هشام الزياني (مدير سجن جو السابق)، أحمد العمادي، بدر الرويعي، علي عراد، يوسف القاضي، وعبد الله عمر. وقد أبلغ سجناء، من بينهم محمد حسن عبد الله “الرمل”، عن تعرضهم لتعذيب شديد وإهمال طبي متعمد على أيدي هؤلاء الضباط، وتقدموا بشكاوى رسمية دون أن تلقى أي استجابة. هذا الوضع يعكس واقع الدولة البوليسية في البحرين، حيث بلغ عدد موظفي وزارة الداخلية نحو 46 موظفًا لكل 1000 مواطن، وهو من أعلى المعدلات في العالم، كما تمتلك البلاد أعلى معدل للاحتجاز الجماعي في منطقة الشرق الأوسط. ويؤكد هذا أن التعذيب والانتهاكات الخطيرة ليست حالات معزولة، بل نتيجة مباشرة لسياسة الإفلات من العقاب ونظام الحوافز الذي يكافئ الجناة بدلًا من معاقبتهم.

تشير التقارير الحقوقية إلى أن التعذيب وسوء المعاملة منتشر على نطاق واسع في جميع مراكز الاحتجاز في البحرين، وخاصة في إدارة التحقيقات الجنائية، وأنه يُستخدم كوسيلة لانتزاع الاعترافات القسرية ومعاقبة المعارضين. وتؤكد المعلومات وجود مناخ دائم من الإفلات من العقاب، حيث نادرًا ما تصدر إدانات بحق مرتكبي التعذيب، وإن صدرت فهي تكون أحكامًا مخففة وغير متناسبة مع خطورة الجريمة. ومن بين المسؤولين المعروفين المتورطين في التعذيب لكن لم تطلهم المحاسبة: ناصر بن حمد آل خليفة وخالد بن حمد آل خليفة (أبناء الملك)، وراشد بن عبد الله آل خليفة (وزير الداخلية)، وخليفة بن أحمد آل خليفة (عميد شرطة في المحافظة الجنوبية) إضافة إلى عدد من أسماء الضباط التي يتداولها السجناء في تسجيلاتهم الصوتية المنتشرة، مؤكدين على تعرضهم للتعذيب و سوء المعاملة على أيديهم. أما الهيئات الرقابية مثل مكتب الأمانة العامة للتظلمات، وزارة الداخلية والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، فهي تفتقر إلى الاستقلالية وتعمل في الغالب على تبرير الانتهاكات أو تهميش الشكاوى المقدمة.

رابعًا: التعذيب الجسدي والنفسي لا يستثني أحدًا

يُظهر النمط الموثّق من الانتهاكات أن التعذيب في البحرين لا يقتصر على فئة محددة من المعتقلين، بل هو سياسة شاملة تطال الجميع: رجالًا ونساءً وأطفالًا. فقد استخدمت السلطات أساليب التعذيب الجسدي والنفسي كأدوات ترهيب وانتزاع اعترافات، في انتهاك صارخ لاتفاقية مناهضة التعذيب.

ويستهدف التعذيب في البحرين النشطاء البارزين وقادة المعارضة الذين يُعدّون من أكثر الفئات عرضة للانتهاكات من قبل السلطات، إذ وثّقت منظمات حقوق الإنسان، ومن بينها منظمة ADHRB، أن العديد من القيادات السياسية والحقوقية البارزة تعرّضوا منذ لحظة اعتقالهم لأنواع مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي المكثّف، بهدف انتزاع اعترافات قسرية أو إذلالهم وإسكاتهم سياسيًا. وتشمل هذه الممارسات الضرب المبرح، والحرمان من النوم، والعزل الانفرادي المطوّل، والإهانات الطائفية، إلى جانب حرمان المعتقلين من أبسط حقوقهم القانونية، كالحق في الاتصال بمحامٍ أو بعائلاتهم.

ولا يتوقف التعذيب عند حدود الجسد فحسب، بل يمتد ليشمل الإهمال الطبي المتعمد داخل السجون، حيث تُمنع الرعاية الصحية عن السجناء رغم معاناتهم من أمراض مزمنة أو إصابات ناتجة عن التعذيب. ففي سجن جو ومركز الحوض الجاف، سُجلت حالات عديدة لمعتقلين سياسيين حُرموا من الأدوية والفحوصات الطبية اللازمة، أو نُقلوا إلى المستشفى مكبلين بالسلاسل في ظروف مهينة، ما يجعل الحرمان من العلاج وسيلة ممنهجة للعقاب البطيء، تُستخدم لإضعاف السجين وكسر إرادته.

وتؤكد شهادات متعددة حجم الانتهاكات التي يتعرض لها القادة السياسيون والمدافعون عن حقوق الإنسان في البحرين، خاصة فيما يتعلق بالإهمال الطبي كوسيلة عقاب. الأستاذ حسن مشيمع، على سبيل المثال، يواجه قيودًا متعددة ويحرم من حقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في الحصول على العلاج الصحي المناسب. فرغم تعافيه من مرض السرطان، لم يتمكن من معرفة ما إذا كان المرض قد عاوده بسبب حرمانه من الفحوصات اللازمة والضرورية لتحديد ذلك للمتعافين من السرطان: كما أنه يُعاني الآن من أمراض مزمنة تشمل ارتفاع ضغط الدم والسكري، ويُحرم منذ فترة طويلة من الأدوية والفحوصات المنتظمة، بما في ذلك أدوية السكري وضغط الدم، كما لم تُعدَّل المسكنات والأدوية وفقًا لاحتياجاته الحالية. وأظهرت الفحوصات الطبية الأخيرة ارتفاع مستويات السكر في الدم وضغط الدم، وأضرار غير محددة في الكلى والمعدة، وتورم في العين، ومشكلات في عضلة القلب، ومع ذلك لم يتلقَّ العلاج المطلوب، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية ووصوله إلى مرحلة حرجة من الفشل الكلوي. وفي أغسطس 2025، تم نقل مشيمع إلى مركز المحرق الطبي بعد اجتماع مع مدير السجن الذي وعد بتحسين وضعه. إلا أن النقل اقتصر على تغيير المكان فقط، حيث استمرت ظروف الاحتجاز نفسها، بما في ذلك العزل الانفرادي، واستمر الإهمال الطبي في المركز الجديد، مما يعني أن وضعه الصحي لم يتحسن بالرغم من انتقاله إلى مرفق طبي آخر.

أما الدكتور عبد الجليل السنكيس، فيعاني بدوره من الإهمال الطبي الشديد. فقد أصيب بآلام في الكتف الأيسر والضلع الأيسر نتيجة الضرب، مما أدى إلى تدهور متلازمة النفق الرسغي لديه بسبب إجباره على الوقوف ويداه مرفوعتان ومقيدتان. ويُضاف إلى ذلك أنه يعاني من متلازمة ما بعد شلل الأطفال ومن حالة عضلية هيكلية تمنعه من الوقوف أو المشي دون استخدام العكازات. وبسبب هذه الأمراض المزمنة، فهو بحاجة إلى فحوصات وعلاجات طبية منتظمة، إلا أن إدارة السجن تحرمه منها بشكل متكرر. نتيجة الإهمال المستمر، تدهورت حالته الصحية بشكل كبير، حيث بدأ يعاني من صداع حاد، ومشكلات في البروستاتا، والتهاب مفصل الكتف، ورعشات وتنميل في الأطراف، وضعف في البصر. كما أصبح جهازه المناعي في خطر شديد مع انخفاض حاد في عدد كريات الدم البيضاء. وقد رُفض طلب طبي لإجراء أشعة بالرنين المغناطيسي (MRI) على رأسه، إلى جانب حرمانه من الأدوية الموصوفة لعلاج الألم المزمن. كما تم تأخير أو منع تسليم العديد من الأدوية الأساسية التي يحتاجها للجهاز العصبي ووظائف الجسم، بما في ذلك قطرات العين. وفي يوليو 2021، لجأ السنكيس إلى الإضراب عن الطعام احتجاجًا على مصادرة كتابه الذي عمل عليه لأربع سنوات حول الثقافة واللهجات البحرينية. ونتيجة لذلك، تعرض لمضاعفات صحية خطيرة شملت الصداع، والدوار، وضيق التنفس، وانخفاض مستويات الأكسجين، وفقدان أكثر من 20 كيلوغرامًا من وزنه، وانخفاض مستوى السكر في دمه إلى 2 مليمول/لتر. وفي 8 يناير، صعد احتجاجه بإعلان إضراب شامل عن الطعام (ما عدا الماء) بعد تعرض عائلته لسوء المعاملة أثناء زيارتهم له، ما زاد من خطورة وضعه الصحي في ظل تجاهل إدارة السجن لمطالبه. وفي أغسطس 2025، نُقل السنكيس إلى مركز المحرق الطبي بعد وعود من مدير السجن بتحسين وضعه، إلا أن ظروف الاحتجاز نفسها استمرت، بما في ذلك القيود المشددة والإهمال الطبي، مما يعني أن وضعه الصحي لم يتحسن بالرغم من نقله إلى مرفق طبي آخر.

عبد الهادي الخواجة، المدافع عن حقوق الإنسان، حُرم أيضًا من العلاج الطبي المناسب رغم تدهور صحته الناتج عن التعذيب، وأدى الإضراب المتكرر عن الطعام احتجاجًا على سوء المعاملة إلى فقدان الوزن وتدهور حالته الصحية بشكل كبير. يعاني الخواجة من آلام شديدة في الظهر وأوجاع مزمنة تمنعه من النوم لفترات طويلة، إضافة إلى مضاعفات أخرى بما في ذلك ضعف البصر، وقد حذره الأطباء من أن حالته قد تؤدي إلى العمى. في مارس 2023، منع من العرض على طبيب قلب مختص بعد تعرضه لعدم انتظام ضربات القلب، وفي سبتمبر 2023 اضطر لخوض إضراب عن الطعام بعد إلغاء موعده مع طبيب العيون، ما دفع عائلته إلى دق ناقوس الخطر خشية فقدانه للبصر أو وفاته داخل السجن.

الشيخ عبد الجليل رضي مكي (المقداد) يعاني من آلام مستمرة في الساق والظهر والصداع الحاد، ولم يتلق علاجًا مناسبًا رغم المطالب المستمرة، كما لم يحصل على نظارة طبية رغم دفعه ثمنها بنفسه بعد فحص النظر في نوفمبر 2022. وتعرض لمحاولة اعتداء من قبل ضباط بعد رفضه التوقيع على ورقة تزعم رفضه لتلقي العلاج، وألغيت مواعيده بالمستشفى في أبريل 2023، مما اضطره للاعتصام داخل السجن مطالبًا بحقه في العلاج.

الشيخ محمد حبيب المقداد يعاني من آلام شديدة في المعدة وصعوبة في تناول الطعام وصلت إلى التقيؤ المستمر، وكان بحاجة لعمليات جراحية عاجلة في الفتق والقلب وفحص المسالك البولية، لكنه حُرم منها بحجة تفشي جائحة كوفيد-19، وبعد عامين فقط خضع للعمليات، وما يزال يعاني مضاعفات في الرأس والقدم بسبب التعذيب، دون تلقي العلاج المناسب.

عبد الوهاب حسين إسماعيل، رغم تقدمه في السن واعتماده على العكاز للمشي، تُفرض عليه قيود مشددة داخل سجن جو، وألغيت مواعيده الطبية في المستشفيات الخارجية، ما أدى إلى تدهور خطير في صحته، وحُرم من علاج العصب، وأُلغي علاج أسنانه، بالإضافة إلى حرمانه من أبر الإنسولين الضرورية لحالته ومواظبته على متابعة الكلى.

وبهذا الشكل، يظهر أن الإهمال الطبي ليس مجرد تقصير عشوائي، بل أداة ممنهجة تستخدمها السلطات كوسيلة عقاب ضد قادة المعارضة والنشطاء، باعتراف آليات الأمم المتحدة، وذلك من خلال استمرار الحرمان من العلاج والأدوية والفحوصات، مما يحوّل الأمراض المزمنة والإصابات الناتجة عن التعذيب إلى تهديد مباشر لحياة هؤلاء المعتقلين.

أما الأمر الأكثر خطورة هو ما يتعرض له القاصرون داخل السجون البحرينية، فهم يواجهون مستويات مروعة من التعذيب والإهمال الطبي رغم صغر سنهم، وهو ما يشكل خرقًا واضحًا للقوانين الدولية الخاصة بحماية الأطفال. إلى جانب ما يتحملونه من تعذيب جسدي ونفسي، مثل الضرب والصعق والتهديد بالاعتداء الجنسي لإجبارهم على توقيع اعترافات معدة مسبقًا، فإن هؤلاء الأطفال يُحرمون من الرعاية الصحية اللازمة، وتُلغى عنهم الزيارات الطبية، ويُتجاهل وضعهم الصحي، حتى لو كانوا يعانون أمراضًا تستدعي متابعة دائمة.

في 17 يونيو 2023، خاض ستة من صغار المحكومين إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على حرمانهم من الرعاية الصحية لعلاج مرض الجرب الذي أصابهم، واضطروا لتحمّل مخاطر صحية كبيرة رغم صغر سنهم، بما في ذلك انخفاض نسبة السكر في الدم، ومن بينهم خ.إ.ث. وف.ح.س. أما حالة السجين السياسي ح.إ.م.، الذي اعتقل وهو في السادسة عشرة من عمره وحُكم عليه بالسجن 23 سنة في ثلاث قضايا مختلفة، فهي نموذج صارخ للانتهاكات. لم يكن يعاني من أي مشاكل صحية قبل اعتقاله، لكن نتيجة التعذيب، والإخفاء القسري، والأوضاع المزرية في السجن، والإهمال الطبي، بات يعاني من آلام حادة في معدته تصل إلى حد القيء والتبرز بالدم، إضافة إلى صداع شديد، صعوبة في التنفس، ومشكلات في الأسنان. ورغم خطورة حالته، ترفض إدارة السجن عرضه على الطبيب للتشخيص أو تلقي العلاج، وآخر مرة عرض فيها على طبيب كانت منذ أكثر من عام.

حتى بعد إنشاء هيئات رسمية مثل مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، والأمانة العامة للتظلمات، ووحدة التحقيق الخاصة في النيابة العامة عقب حملة القمع عام 2011، لم تتحقق أي حماية فعلية للأطفال أو صغار المحكومين، إذ إن هذه الأجهزة، نظرًا لتبعيتها السياسية وعدم استقلالها، لم تحقق في شكاوى القاصرين السجناء أو المفرج عنهم، ولم تُحاسب قوات الأمن المسؤولة عن التعذيب أو الإهمال الطبي. تجسد هذه الانتهاكات تجاه القاصرين نمطًا ممنهجًا من القمع، حيث يُستغل الأطفال كأدوات للضغط والتهديد، ويُحرمون من حقوقهم الأساسية في الصحة والسلامة والتعليم، مما يجعلهم أكثر عرضة للأذى الجسدي والنفسي على المدى الطويل، ويكشف حجم الانتهاكات المنظمة التي تستهدف جميع فئات المعارضة دون استثناء.

كما وثّقت المنظمة حالات لنساء تم تعريضهن للتحرش اللفظي والجسدي أثناء التحقيق، واحتُجز بعضهن في ظروف مهينة ترافقها إساءات دينية وتهديدات مستمرة.

ولا ينتهي هذا النمط من الانتهاك عند الإفراج من السجن، بل يمتد ليشكل ما يمكن وصفه بـ “العقاب الجماعي المستمر”، حيث يواجه المفرج عنهم قيودًا صارمة على حرية التنقل، ومراقبة أمنية دائمة، ومنعًا من السفر أو العمل، مما يعيق إعادة اندماجهم في المجتمع ويجعلهم يعيشون في دائرة مستمرة من الخوف والترهيب، بينما تتعرض عائلاتهم للمضايقة والمراقبة لمنع أي نشاط مدني أو حقوقي محتمل.

خامسًا: قضايا تعذيب موثقة من السجن إلى ما بعد الإفراج

عملت منظمة ADHRB على توثيق مجموعة واسعة من القضايا التي تعكس نمطًا منهجيًا من التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون البحرينية، سواء أثناء الاحتجاز أو بعد الإفراج عن المعتقلين. تهدف هذه التوثيقات إلى تقديم دليل واضح على الانتهاكات المستمرة ضد السجناء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتسلط الضوء على الآثار الجسدية والنفسية طويلة الأمد لهذه الانتهاكات. الحالات الموثقة تظهر استخدام التعذيب الممنهج والإهمال الطبي كأدوات للعقاب، وكوسائل لإدامة الألم والسيطرة على المعتقلين، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للالتزامات الدولية للبحرين والاتفاقيات الدولية لمناهضة التعذيب وضمان الرعاية الصحية للضحايا.

  1. القاصرين

ح. إ. م  

ح. إ. م كان يبلغ 16 عامًا فقط حين اعتقلته السلطات البحرينية في 28 نوفمبر 2015 في قرية السنابس، وهو الأصغر بين ثلاثة أشقاء معتقلين. اقتاده ضباط يرتدون ملابس مدنية إلى مديرية التحقيقات الجنائية وأخفوه قسرًا لمدة ثلاثة أشهر، خضع خلالها للاستجواب دون محامٍ، وتعرّض لتعذيب جسدي ونفسي شديد شمل الضرب بالهراوات على الرأس والأعضاء الحساسة، الصدمات الكهربائية، التهديد والترهيب والشتم المستمر. طوال هذه الفترة، لم يحصل ح.على أي علاج طبي فعال لإصاباته المتعددة، بالرغم من خطورتها، وهو ما شكل بداية سلسلة من الانتهاكات الصحية التي تراكمت خلال سنوات سجنه.

خلال سنوات احتجازه الطويلة، استمر الإهمال الطبي بشكل منهجي. لم تجر له الفحوصات اللازمة لتشخيص إصابات الرأس والعين والأنف والمعدة والقولون، واكتفى السجن بتقديم مسكنات مؤقتة للألم دون معالجة حقيقية. تمت إزالة ثمانية من أسنانه دون توفير بدائل، ما أثر بشكل كبير على قدرته على مضغ الطعام وأدى إلى تفاقم معاناته الصحية، في حين لم تتم معالجة كسر أنفه الذي تسبب له بصعوبات تنفسية مستمرة. احتُجز أيضًا في السجن الانفرادي لفترات طويلة، بما في ذلك أكثر من شهرين في مارس 2018، كعقاب على رفضه التوقيع على مستند دون معرفة محتوياته، وهو ما تسبب له بأضرار نفسية جسيمة. خلال هذه الفترة، خاض عدة إضرابات عن الطعام احتجاجًا على وضعه في الحبس الانفرادي وسوء المعاملة، وواجه خلالها مزيدًا من العنف، بما في ذلك الضرب واللكم ورش الفلفل، ما زاد من تفاقم حالته الصحية والنفسية.

بعد الإفراج، لا يزال ح. إ. م يعاني من آثار الإهمال الطبي المزمن وسوء المعاملة التي تعرض لها في السجن، حيث لا تزال حالته الصحية حرجة. إحدى عينيه ضعيفة نتيجة التعذيب السابق، وأنفه المكسور يسبب له صعوبات في التنفس، ويحتاج إلى عملية جراحية مكلفة لإصلاح الضرر. كما أن فقدانه لثمانية أسنان خلال الاعتقال دون توفير بدائل يفرض عليه الآن علاجًا مكثفًا وزرعات متعددة، وهو ما يشكل عبئًا كبيرًا نظرًا لتكلفته العالية. في الوقت نفسه، يتابع حالته في مستشفى السلمانية فيما يتعلق بمشاكل الجهاز الهضمي، وقد تم تشخيصه بالقولون العصبي بعد إجراء فحوصات مرض كرونز، مع استمرار معاناته من القيء ووجود دم في البراز عدة مرات شهريًا، ما يدل على أن تأثير الإهمال الطبي لا يزال قائمًا ويهدد صحته بشكل مستمر. إضافة إلى ذلك، يعاني حيدر من آلام مستمرة في الرأس من الخلف وفي الرقبة نتيجة الضرب والتعذيب السابق، ويحتاج إلى متابعة طبية دقيقة لتشخيص ومعالجة هذه الإصابات المتراكمة. لديه حاليًا موعد لإجراء أشعة مقطعية في يناير لمزيد من التشخيص، لكنه ما يزال بحاجة إلى علاج شامل لإصلاح الأضرار الجسدية والنفسية التي تراكمت خلال سنوات سجنه الطويلة.

خ. إ. ث

خ. إ. ث.، تلميذ بحريني يعاني من صعوبات تعلمية معروفة، اعتُقل في أكتوبر 2022، وهو لم يتمكن من إكمال المرحلة الإعدادية بسبب هذه الصعوبات. خلال اعتقاله، تعرّض لسلسلة من الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك التعذيب البدني والنفسي، بهدف انتزاع اعترافات قسرية. كما خضع لمحاكمات غير عادلة دون حضور محامٍ، وتمت محاسبته على تهم متعددة، الأمر الذي أثر بشدة على صحته النفسية والسلوكية وأدى إلى تفاقم معاناته التعليمية والنفسية.

خلال فترة الاحتجاز، لم يتلق خ.أي رعاية طبية أو نفسية مناسبة، على الرغم من تعرضه للضرب والتعذيب المتكرر، ولم تُوفّر له برامج تأهيلية أو تقييم صحي منتظم رغم حاجته الموثقة لذلك. هذا الإهمال الطبي والنفسي أسهم في تفاقم الصعوبات المعرفية والنفسية لديه واستمراره في مواجهة آثار الانتهاكات حتى بعد الإفراج.

بعد الإفراج، لا يزال خ. إ. ث يعاني من بعض الأضرار الجسدية الناتجة عن سوء المعاملة، مثل الحوال في عينيه وتكسر الأسنان، لكنه لم يحصل على دعم نفسي أو تعليمي للتأهيل بعد الإفراج. حاليًا هو طالب منازل في الصف الأول ثانوي ويقدم الامتحانات النهائية فقط، ولا يتلقى أي رعاية اجتماعية أو تعليمية تساعده على إعادة الاندماج. مع ذلك، وضعه النفسي والمعرفي يعتبر طبيعيًا، لكنه يواجه تحديات حقيقية في الجانب التعليمي والجسدي بسبب ما تعرض له خلال السجن. كما قدم طلبًا للحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك ولكنه لم يحصل عليها حتى الآن.

علي مهدي عليوي

كان علي مهدي العليوي طالبًا بحرينيًا يبلغ من العمر 17 عامًا عند اعتقاله دون أمر قضائي وخضع لمحاكمة جائرة. كونه قاصرًا عند اعتقاله، حُرم علي من دعم عائلته ووجودها بجانبه، ما زاد من حدة تأثير الانتهاكات النفسية والجسدية التي تعرض لها. خلال احتجازه، خضع لسلسلة من الانتهاكات، بما في ذلك الحبس الانفرادي، الضرب، والتهديد، ما أدى إلى تدهور حالته النفسية والعقلية بشكل كبير. ظهرت لديه أعراض نفسية وسلوكية لم يكن يعاني منها قبل السجن، منها الغضب الشديد والصراخ بلا سبب، الشجار مع زملائه في الزنزانة، رفض الزيارات العائلية، اضطراب هوس نتف الشعر (Trichotillomania) الذي يجبره على حلق حواجبه ورموشه، بالإضافة إلى الهلوسة المحتملة وصعوبات في التركيز. كما عانى سابقًا من صداع ونزيف في الأنف لم يتلقَ أي علاج له أثناء الاحتجاز.

خلال فترة سجنه، لم توفر إدارة السجن الرعاية الطبية والنفسية المناسبة، إذ رفضت تقديم أي دواء للصداع أو النزيف الأنفي، وتأخر عرضه على طبيب نفسي متخصص أو طبيب أعصاب رغم تقديم الأسرة شكاوى منذ فبراير حتى مايو 2019. كما تم حرمانه من الزيارات الطبية المنتظمة والمتابعة النفسية، وتم وضعه في الحبس الانفرادي لمدة أربعة أسابيع من أواخر يناير حتى 27 فبراير 2019، ما زاد من الضغط النفسي وأعمق معاناته العاطفية والنفسية.

بعد الإفراج عنه بموجب العفو الملكي، استمرت الأعراض النفسية والسلوكية، وظل علي يعيش أيامًا عصيبة مليئة بالمعاناة النفسية، حيث وصفت الأسرة وضعه بالقول: “عشنا معه أيامًا عصيبة لا يعلم بوجعنا غير الله سبحانه وتعالى”. بدأ العلاج في العيادات الخاصة، لكن الظروف المادية أجبرت الأسرة على تحويله إلى العيادة الحكومية، ولسوء حالته تم ترقيده لمدة ستة أشهر في مستشفى الطب النفسي بالسلمانية. تقول عائلته: “السجن أخذ من علي أجمل أيامه وأغلى ما يملكه أي إنسان، ولولا الأدوية لما استقرت حالته، وما يزال يتلقى العلاج والأدوية لضمان استمرارية تحسنه النفسي”.

عمار إبراهيم أحمد (ضيف)

كان عمار إبراهيم أحمد (ضيف) فتى بحرينيًا قاصرًا يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا عند اعتقاله من منزل شقيقته في 13 يوليو 2013 من دون مذكرة توقيف أو أمر قضائي. منذ لحظة اعتقاله، تعرّض عمار لسلسلة من الانتهاكات الجسيمة شملت التعذيب الجسدي والنفسي والتحرش الجنسي، كما حُرم من حقه في الاستعانة بمحامٍ أثناء التحقيق، وخضع لمحاكمة غير عادلة بُنيت على اعترافات منتزعة تحت التعذيب. حكم عليه بالسجن عشرين عامًا في سجن جو، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا بموجب عفو ملكي، بعد أن أمضى سنوات من المعاناة الجسدية والنفسية خلف القضبان.

خلال فترة احتجازه، أصيب عمار بكسور متعددة في اليد والرجل نتيجة الضرب العنيف أثناء التحقيق، ولم يتلقَ أي رعاية طبية مناسبة، إذ اضطر إلى إزالة الجبيرة بنفسه خوفًا من تعفنها بسبب الإهمال الطبي المتواصل. كما أصيب بكسر في الأنف خضع على إثره لعمليتين جراحيتين، فشلت الأولى بسبب سوء المتابعة وضعف الرعاية داخل السجن. وتسببت سنوات الاعتقال في آلام مزمنة في الظهر والرقبة والمفاصل، إلى جانب صداع متكرر وضعف في النظر وآلام في الأسنان، وجميعها لم تحظَ بأي علاج فعلي أو متابعة طبية متخصصة. وعلى الرغم من خطورة حالته، رفضت إدارة السجن مرارًا نقله إلى الأطباء المختصين، واكتفت بتقديم مسكنات مؤقتة لا تعالج الأسباب الفعلية لآلامه، في انتهاك واضح لحقه في الرعاية الصحية الأساسية.

تعرض عمار خلال سنوات سجنه أيضًا لضغوط نفسية قاسية تمثلت في الإهانات المتكررة والتحرش الجنسي وسوء المعاملة، ما ترك آثارًا عميقة على حالته النفسية. وقد شارك في الإضرابات الجماعية داخل السجن احتجاجًا على سوء الأوضاع الصحية والمعيشية، الأمر الذي فاقم تدهور حالته البدنية بسبب حرمانه من الأدوية والعلاج خلال تلك الفترات. الإهمال الطبي الممنهج والبيئة القاسية في السجن حولت آلامه الجسدية إلى معاناة دائمة أثرت على توازنه النفسي والجسدي بشكل كبير.

بعد الإفراج عنه، لم تتوقف معاناة عمار. فما زال يعاني من آثار جسدية مؤلمة في الظهر والمفاصل والأنف، ومن ضعف في الحركة نتيجة الكسور القديمة التي لم تُعالج بطريقة صحيحة. لم يحصل على علاج شامل أو على أي برنامج لإعادة التأهيل البدني بعد خروجه من السجن، كما واجه صعوبات كبيرة في متابعة مواعيده الطبية داخل المستشفيات الحكومية بسبب تأجيل المواعيد أو فقدانها من النظام الصحي. اضطر مؤخرًا إلى التوجه إلى مستشفى خاص لعلاج ظهره بسبب شدة الألم وعدم استفادته من المواعيد الحكومية، حيث ذكر أنه يشعر بتحسن بسيط لكنه لا يزال يعاني من الألم بين فترة وأخرى.

  1. الناشطون والحقوقيون

علي الحاجي

تعرض المدافع البحريني عن حقوق الإنسان علي حسين أحمد الحاجي، البالغ من العمر 42 عامًا، إلى تعذيب جسدي ونفسي شديد منذ لحظة اعتقاله في 21 مايو 2013، ما خلّف آثارًا صحية خطيرة ودائمة لازالت تلازمه حتى اليوم.

خلال فترة استجوابه التي استمرت أحد عشر يومًا في غياب تام للمحامي، خضع الحاجي لأشكال متعددة من التعذيب الممنهج بهدف انتزاع اعترافات كاذبة. فقد تعرّض للضرب المبرح على مختلف أنحاء جسده، بما في ذلك الرأس والفك والأعضاء التناسلية، وحُرم من النوم لفترات طويلة، وأُجبر على الوقوف المتواصل لساعات. كما مُنع من استخدام المرحاض وأُجبر على التبول في مكان احتجازه، وتعرّض للتعري القسري والإذلال الديني عبر منعه من أداء الصلاة وتوجيه الإهانات الدينية له. وامتدت الاعتداءات إلى الاعتداء المتكرر على خصيتيه بالضرب والركل والضغط، ما سبب له إصابة خطيرة وتلفًا في الأوعية الدموية أدت إلى إصابته بدوالي الخصيتين.

نتيجة لهذه الانتهاكات، أصيب الحاجي بكسور في الأنف والفك، وفقد كامل لأسنانه السفلية، وفقدان جزئي للسمع في أذنه اليسرى، إضافة إلى آلام مزمنة في الجهاز التناسلي وإصابات عصبية ونفسية نتيجة الصدمات والتعذيب النفسي. ورغم توثيق هذه الإصابات وتقديم شكاوى رسمية إلى الأمانة العامة للتظلمات ووحدة التحقيقات الخاصة والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، لم يُفتح أي تحقيق جدي، واُستخدمت الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب كأدلة لإدانته في محاكمة تفتقر لأبسط معايير العدالة.

على مدى أكثر من عشر سنوات قضاها في سجن جو، تعرّض الحاجي إلى إهمال طبي متعمد وحرمان ممنهج من العلاج اللازم لإصاباته الناتجة عن التعذيب. لم يتلقَّ أي رعاية جراحية لإصابات الأنف والفك أو الأذن، كما رُفضت طلباته المتكررة للعلاج المتخصص. وقد عانى من آلام شديدة وتدهور تدريجي في حالته الصحية، خصوصًا في الجهاز التناسلي بسبب عدم علاج الدوالي، فضلًا عن التهابات مزمنة في اللثة والأسنان التي فقدها نتيجة التعذيب. كما تعرّض لفترات حبس انفرادي مطولة، ما فاقم من حالته النفسية وأدى إلى أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والأرق والتوتر الدائم.

بعد الإفراج عنه ضمن برنامج “العقوبات البديلة” في يونيو 2023، استمر حرمانه من الرعاية الصحية الكافية رغم استمرار معاناته من مضاعفات خطيرة. وفي 15 سبتمبر 2025، خضع الحاجي لعملية جراحية لعلاج دوالي الخصيتين الثنائية، وهي إصابة مباشرة ناتجة عن التعذيب والضرب المتكرر على أعضائه التناسلية، والتي تفاقمت بسبب سنوات من الإهمال الطبي داخل السجن. كما خضع لاحقًا لعمليتين جراحيتين لإصلاح كسر الأنف والفك، ويتلقى حاليًا علاجًا نفسيًا مستمرًا بإشراف مختصين نتيجة للصدمة التي عاشها خلال فترة الاعتقال وما بعدها.

تُظهر حالة علي الحاجي بوضوح الترابط بين التعذيب الممنهج والإهمال الطبي كوسيلتين للعقاب والانتقام من السجناء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في البحرين. فقد تحوّل الإهمال الصحي إلى امتداد للتعذيب داخل السجن، واستمر حتى بعد الإفراج عنه، في انتهاك صارخ لالتزامات البحرين الدولية بموجب العهدين الدوليين واتفاقية مناهضة التعذيب، التي تلزم الدولة بضمان العلاج والتعويض وإعادة التأهيل الكامل لضحايا التعذيب.

محمد حسن عبد الله (الرمل)

يُعدّ محمد حسن عبد الله (الرمل) أحد أبرز الأمثلة على النمط الممنهج من التعذيب والإهمال الطبي في السجون البحرينية، حيث تحوّل الحرمان من العلاج في حالته إلى امتداد مباشر للتعذيب الذي تعرّض له منذ لحظة الاعتقال وحتى اليوم.

كان محمد نجّارًا يبلغ من العمر 55 عامًا عند اعتقاله في 3 نوفمبر 2015، خلال مداهمة أمنية لمنزله دون إذن قضائي. منذ لحظة القبض عليه، خضع لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والتحرش الجنسي والتهديد، بغرض انتزاع اعترافات قسرية استخدمت لاحقًا لإدانته في محاكمة شابها غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. ورغم الطبيعة السياسية للقضية، حُكم عليه بالسجن المؤبد ونُقل إلى سجن جو، حيث احتجز مع سجناء جنائيين.

رغم حالته الصحية المتدهورة، رفضت إدارة السجن مرارًا توفير العلاج اللازم أو السماح له بمتابعة طبية متخصصة. خاض محمد عدة إضرابات عن الطعام احتجاجًا على الإهمال الطبي، وتعرّض خلالها لمضاعفات خطيرة كفقدان الوعي والقيء المتكرر.

في سبتمبر 2025، أفرج عن الرمل بموجب عفو ملكي، لكنه الحقيقة كانت جلية وصادمة، إذ ظهر الرجل المسن على كرسي متحرك غير قادر على المشي، وبانت ملامح الألم جراء سنوات الحرمان من العلاج.

نتيجة سنوات الإهمال الطبي، أصبح محمد يعاني من أمراض مزمنة متعددة، أبرزها ارتفاع ضغط الدم ومشاكل مستمرة في المسالك البولية وضعف حاد في النظر لم يُعالج حتى بعد أن انكسرت نظارته الطبية. كما يعاني من آلام مزمنة في البطن والظهر والحوض نتيجة عمليات جراحية سابقة لم تُتابع طبيًا، فضلًا عن نزيف متكرر وانخفاض حاد في مستويات السكر بالدم أدى إلى حالات إغماء متكررة. تسبب الحرمان من الأدوية المناسبة والإضرابات الطويلة عن الطعام في تفاقم وضعه الصحي، فظهرت لديه مضاعفات خطيرة في المعدة والقولون. طوال فترة احتجازه، امتنعت السلطات عن تزويده بالأدوية الضرورية لعلاج الضغط والمعدة والمسالك البولية، ورفضت نقله إلى المستشفيات أو إجراء الفحوص الطبية اللازمة رغم تدهور حالته.

تأثرت حالته النفسية أيضًا بالعزلة التي فُرضت عليه داخل مبنى السجناء الجنائيين، وبالبيئة العدوانية التي وُضع فيها مع سجناء من خلفيات مختلفة، في ظروف اتسمت بالتوتر الدائم وانعدام الأمان. أدت هذه البيئة إلى تدهور حاد في صحته الجسدية والنفسية، بينما تجاهلت إدارة السجن تمامًا المناشدات المتكررة من عائلته والمنظمات الحقوقية. لقد شكّلت تجربته نموذجًا واضحًا لاستخدام الحرمان من العلاج كوسيلة عقابية إضافية، في انتهاك صارخ لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا).

بعد سنوات من المعاناة، أُفرج عن الرمل بعفو ملكي، غير أن آثار التعذيب والإهمال الطبي ما زالت تلازمه حتى اليوم. فهو يعاني من مشكلة مزمنة في البروستات تُعد نتيجة مباشرة للتعذيب بالكهرباء الذي تعرض له أثناء التحقيق، ما أدى إلى فقدانه القدرة على التحكم في التبول. ورغم وصف الأطباء أدوية خاصة لتنظيم عمل المثانة، فإن تأمين هذه الأدوية لا يزال صعبًا ومكلفًا. خضع محمد لاحقًا لعدة عمليات جراحية، من بينها عملية فتق إربي في مستشفى رويال الخاص، وأخرى في مستشفى السلمانية بعد أن تعرّض للسقوط وكُسرت يده. تم وضع سلك حديدي لتثبيت العظم، لكن بسبب ترقق العظام الناتج عن سوء التغذية وغياب الرعاية الطبية، لم تنجح العملية واضطر الأطباء إلى إزالة السلك وإخضاعه لعلاج بديل في مستشفى رويال.

اليوم، يعاني محمد حسن الرمل من آلام مزمنة وضعف في الحركة ومضاعفات جسدية دائمة سترافقه مدى الحياة، نتيجة مباشرة لما تعرض له من تعذيب ممنهج وإهمال طبي متعمد داخل السجن. حالته تُجسد الوجه القاسي للعقاب الممنهج في البحرين، حيث يتحول الجسد المريض إلى ساحة مفتوحة للمعاناة، ويُستخدم الحرمان من العلاج كأداة لإدامة الألم وكسر الإرادة الإنسانية حتى بعد انتهاء فترة الاعتقال.

  1. المرضى الذين يحتاجون رعاية خاصة نتيجة أمراض مزمنة أو حالات صحية خطيرة

عيسى جعفر العبد

عيسى جعفر العبد، شاب بحريني يبلغ من العمر 24 عامًا، اعتُقل مرارًا وتعرض للضرب وسوء المعاملة خلال احتجازه، رغم حالته الصحية الحرجة التي تتطلب رعاية طبية مستمرة. يعاني عيسى من مشاكل قلبية منذ الولادة، وقد خضع لعدة عمليات جراحية في القلب، كان آخرها بتاريخ 30 يوليو 2018، والتي فشلت وأدت إلى تدهور حالته الصحية، وكان بحاجة ماسة لمتابعة وعملية عاجلة لم تُجرَ بسبب اعتقاله واحتجازه.

خلال فترة الاحتجاز، عانى عيسى من الإهمال الطبي الجسيم، إذ حُرم من الرعاية الصحية اللازمة خلال الأشهر الستة الأولى، ولم يُعرض على طبيب إلا في 16 يوليو 2019، بعد تدهور حالته. على الرغم من مراقبته من قبل مجمع السلمانية الطبي، لم يحصل على العلاج الكافي والملائم، ولم يُسمح له بإجراء العملية الضرورية التي كان بحاجة إليها لإنقاذ حياته وتحسين صحته. إلى جانب ذلك، تعرض أثناء التحقيقات لتعذيب جسدي ونفسي شديد، شمل الضرب، التعصيب، تقييد اليدين، والتهديد بالإعدام أو الصدمات الكهربائية، مما زاد من تفاقم حالته الصحية وهدد حياته.

تم الإفراج عن عيسى جعفر العبد في 26 ديسمبر 2023 بموجب قانون العقوبات البديلة، بعد قضائه جزءًا من عقوبته البالغة خمس سنوات وحكم ستة أشهر إضافية لعدم دفع الكفالة المالية. بعد الإفراج، خضع عيسى أخيرًا للعملية الجراحية التي كانت ضرورية لقلبه، وأُجريت العملية في مستشفى عوالي على نفقة الحكومة، وكانت ناجحة تمامًا، واستقرت حالته الصحية، وأصبح قادرًا على ممارسة حياته الطبيعية. ورغم نجاح العملية وتحسن حالته، لم يتلقَ أي تعويض عن المعاناة التي تعرض لها خلال الاحتجاز، ويظل خاضعًا للمتابعة الطبية المستمرة في مراكز الدولة الصحية لضمان استقرار وضعه الصحي.

منصور عبد الواحد الدولابي

منصور عبد الواحد الدولابي، مواطن بحريني يبلغ من العمر 26 عامًا، يعاني منذ الطفولة من حروق شديدة في ساقيه تحد بشكل كبير من قدرته على الحركة، إضافة إلى ورم دماغي يؤثر على بصره وقدرته على ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي. خلال فترة احتجازه، تعرّض منصور لإهمال طبي متواصل يشكل تهديدًا مباشرًا على صحته، إذ لم يحصل على الرعاية الطبية اللازمة سواء للحروق أو للورم الدماغي، كما أن حالته المزمنة لم تُتابع بشكل مناسب، ولم يتم إجراء الفحوصات الضرورية أو العمليات الجراحية المطلوبة. أثناء نقله إلى الحبس الانفرادي ووضعه في مبنى العزل، توقفت عنه الأدوية الخاصة بالحروق ولم تُعالج حساسيته الغذائية، وأُعيد إليه الدواء بعد تأخير طويل، ما أدى إلى تفاقم الألم والإجهاد الجسدي، وزيادة خطر المضاعفات الصحية.

إضافة إلى ذلك، تعرّض منصور للتعذيب الجسدي والنفسي أثناء التحقيق، بما في ذلك الوقوف القسري المؤلم بسبب الحروق في ساقيه، والضرب المتكرر على الرأس، والتعري القسري، ما ترك آثارًا بدنية ونفسية عميقة. هذه الممارسات، إلى جانب الإهمال الطبي المستمر، أدت إلى تفاقم مشكلاته الصحية، وأثرت سلبًا على جودة حياته اليومية، وجعلت معالجة حالته بعد الإفراج أكثر تعقيدًا وضررًا.

بعد الإفراج عنه بموجب قانون العقوبات البديلة، يواصل منصور مواجهة تحديات صحية كبيرة. فهو يحتاج إلى متابعة دقيقة ومستدامة للورم الدماغي، حيث تخضع حالته لمراقبة منتظمة بالمستشفى لضمان عدم تدهورها. أما الحروق التي وصلت إلى العظام، فهي لا تزال بحاجة إلى تدخلات جراحية مكلفة لم تُجرَ بعد بسبب الظروف المادية، ما يتركه في وضع صحي هش يعرضه لخطر مضاعفات دائمة. سنوات الإهمال الطبي أثناء الاحتجاز، إلى جانب التعذيب والمعاملة السيئة، تركت آثارًا طويلة الأمد على جسده وعقله.

حامد المحفوظ

كان حامد المحفوظ معتقلًا سياسيًا بحرينيًا منذ عام 2013، وخضع للاعتقال التعسفي والمحاكمة على خلفية تهم سياسية مفبركة. أُفرج عنه في 8 أبريل 2024 بموجب مرسوم ملكي، بعد سنوات من الاحتجاز، حيث عاش خلالها ظروفًا قاسية وأضرارًا صحية كبيرة نتيجة الإهمال الطبي المزمن داخل السجون البحرينية.

أثناء الاحتجاز، عانى حامد من مشاكل طبية متعددة، أبرزها مشاكل في الأسنان، حيث خُلع عدد كبير منها ولم يتم تقديم العلاج اللازم، ما تركه يعاني من ألم مستمر وصعوبة في الأكل والنطق. كما أصيب بمرض السكري، ولم تتوافر له الرعاية الصحية الكافية لمتابعة هذا المرض المزمن، ما عرض صحته لخطر دائم. إضافة إلى ذلك، كانت لثته ملتهبة بشكل مستمر، ولم يحصل على علاج فعال، بالرغم من شكاواه المتكررة.

بعد الإفراج، حاول حامد الحصول على الرعاية الصحية، لكنه وجد أن العيادات الحكومية لا توفر العلاج اللازم لتركيب الأسنان، وأن القدرة المادية للمفرج عنهم محدودة، مما يجعله عرضة لمضاعفات صحية مستمرة. وصف حامد وضعه قائلًا: “إذا كانت وزارة الصحة لا توفّر العلاج لتركيب الأسنان، ونحن المُفرج عنا لا نمتلك في هذه الأيام حقوقًا أو عملًا، فإلى أين نذهب؟”

توضح حالة حامد المحفوظ مدى الإهمال الطبي المتعمد الذي يعاني منه المعتقلون السياسيون في البحرين، حيث تُترك الإصابات والأمراض المزمنة دون علاج مناسب، وتستمر معاناة المفرج عنهم بعد الإفراج، مما يجعل التدخل الطبي العاجل أمرًا ضروريًا لضمان حقوقهم الصحية الأساسية واستقرار حياتهم بعد سنوات من الاحتجاز التعسفي.

  1. معتقلون تعرضوا لتعذيب جسدي ونفسي شديد وأصبحوا مرضى نتيجة التعذيب

ف. ح. س. 

ف. ح. س.، طالب بحريني كان يبلغ من العمر 18 عامًا عند اعتقاله، خضع لاعتقال تعسفي دون مذكرة توقيف خلال مداهمة منزله، وتعرّض خلال التحقيقات لتعذيب جسدي ونفسي شديد. شمل ذلك الضرب المبرح على الساقين والجسم، التعرض للصدمات الكهربائية، والتهديد باغتصاب أسرته، كل ذلك لإجباره على تقديم اعترافات قسرية. كما خضع لمحاكمة جماعية غير عادلة وصدرت بحقه أحكام بالسجن لمدة عشر سنوات مع غرامة مالية، وتم تأييد الحكم من محكمة الاستئناف.

خلال فترة الاحتجاز، لم يحصل ف.على أي رعاية طبية مناسبة، رغم معاناته من صداع مزمن وألم مستمر في الساق نتيجة الضرب، بالإضافة إلى إصابته بمرض الجرب الذي بقي دون علاج فعال لأكثر من أربعة أشهر. هذا الإهمال الطبي المستمر، إلى جانب الضرب والترهيب والحرمان من الزيارات والدعم النفسي، أدى إلى تدهور حالته الصحية العامة، بما في ذلك انخفاض خطير في نسبة السكر في الدم بسبب إضراباته عن الطعام، مما عرض حياته للخطر وأكد آثار التعذيب على صحته الجسدية والنفسية.

لم يحصل ف. ح. س. على الرعاية الطبية اللازمة أثناء الاحتجاز، إذ اقتصرت تدخلات إدارة السجن على وصف أدوية مسكنة دون تشخيص شامل أو تقديم علاج فعال لحالته الصحية. لم يُجرَ له أي فحوص طبية متخصصة لمتابعة الصداع المستمر أو الألم المزمن في الساق، ولم يُعالج مرض الجرب بالشكل المطلوب، رغم نقله لمستشفى واحد فقط دون تلقي علاج فعلي. هذا الإهمال الطبي المتواصل، إلى جانب الضغوط النفسية المستمرة وظروف السجن القاسية، ترك آثارًا طويلة الأمد على صحته الجسدية والنفسية.

بعد الإفراج عنه وانتقاله إلى مرحلة العقوبات البديلة في أكتوبر 2025، يعاني ف. ح. س. من آثار صحية واضحة نتيجة ما تعرض له خلال فترة الاحتجاز. إذ لا يزال يعاني من صداع مزمن وضعف في المناعة يجعله عرضة للعدوى بسرعة، كما يعاني من الألم المستمر في ساقه بسبب التعذيب السابق. على الرغم من أن وضعه النفسي مستقر حاليًا، إلا أن احتياجاته الصحية لا تزال كبيرة، ويحتاج إلى متابعة طبية دقيقة وعلاج فعّال لضمان تحسن حالته الجسدية. ف. يلتزم بالعقوبات البديلة التي تشمل الطوق الأمني والخضوع للمراقبة الإلكترونية، إلا أن هذه الإجراءات لا تعوض عن الرعاية الصحية الملائمة التي لم يحصل عليها أثناء احتجازه.

ف. ح. س. تعرض، مثل آخرين من السجناء السياسيين، لتهديدات وعمليات انتقامية خلال احتجازه، ما أدى إلى تأخير الإفراج عنه إلى مرحلة العقوبات البديلة وزيادة إجراءات المراقبة المشددة. منذ العام الماضي، تم نقله مع عدد آخر من السجناء إلى سجون مفتوحة، وفي أكتوبر 2025 تم تحويله إلى العقوبات البديلة مع وضع طوق أمني عليه، في ظل استمرار القلق والتخوف من إجراءات انتقامية محتملة نتيجة نشاطه السابق.

س. ع. م. ه.  

كان س. ع. م. ه. عاملًا في مصنع مياه المنهل يبلغ من العمر 22 عامًا عند اعتقاله للمرة الرابعة في أكتوبر 2018، بعد مداهمة منزل في منطقة الدير من دون أمر قضائي. خلال احتجازه، تعرّض للتعذيب الجسدي والنفسي، والاختفاء القسري، والحرمان من التواصل مع أسرته ومحاميه، إضافة إلى محاكمات غير عادلة استندت إلى اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وتخللها توجيه إهانات طائفية وتهديدات بالانتقام من عائلته. يقضي س. ع. أحكامًا تصل إلى نحو ثلاثة عقود من السجن في سجن جو على خلفية قضايا ذات دوافع سياسية، وقد نُقل مؤخرًا إلى مبنى السجون المفتوحة تمهيدًا للإفراج المؤقت والمشروط، إلا أنه لا يزال قابعًا في السجن حتى الآن.

يعاني س. ع. من آلام مزمنة وشديدة في الركبة نتيجة إصابة سابقة برصاص الشوزن خلال مظاهرة سلمية عام 2014. لم يتلقَّ العلاج اللازم لهذه الإصابة طوال سنوات احتجازه، إذ حُرم من الأدوية المسكنة والعلاج الفيزيائي، ما أدى إلى تفاقم الألم وصعوبة الحركة. كما عانى من أمراض جلدية متكررة، أبرزها الجرب، دون أن يحصل على علاج فعّال أو متابعة طبية تامة، مما تسبب في انتشار الطفح الجلدي والالتهابات لفترات طويلة. إلى جانب ذلك، ظهرت على جسده آثار واضحة للتعذيب الجسدي والنفسي، شملت كدمات وجروح في مناطق مختلفة، لم تُعالج بشكل مناسب.

إضافة إلى المعاناة الجسدية، تركت سنوات التعذيب والعزل والتمييز الطائفي أثرًا نفسيًا بالغًا على س. ع. م. ه.، إذ يعاني من اضطرابات في النوم، وقلق مستمر، ومشاعر خوف وتوتر ناتجة عن العزلة والتهديدات المتكررة التي واجهها داخل السجن، بما في ذلك التهديد بإيذاء أفراد أسرته. كما أثّر سوء التغذية داخل السجن، وتقليص الوجبات الغذائية، وحرمانه من شراء مستلزماته من متجر السجن، على صحته العامة ومناعته الجسدية، في ظل غياب شبه تام للرعاية الطبية والنفسية.

تؤكد المعلومات الواردة من عائلته استمرار الإهمال الطبي بحقه حتى اللحظة. فقد ذكرت والدته في آخر تواصل معها أن نجلها لا يزال يعاني من إصابات في رجليه وركبته، وأنه لم يتم الإفراج عنه بعد. على الرغم من نقله مؤخرًا إلى مبنى السجون المفتوحة (المبنى 11)، لم يُدمج في نظام الإفراج المؤقت الذي يتيح البدء بخروج 12 ساعة أسبوعيًا كمرحلة أولى، تمهيدًا لتخفيف القيود وصولًا إلى الإفراج الدائم بعد فترة قد تمتد لسنوات. هذا الوضع يوضح أن الانتقال إلى المبنى الجديد لم يُترجم إلى أي تحسّن عملي في وضعه أو تخفيف لحجم المعاناة الصحية والنفسية، مما يشير إلى استمرار الإهمال الطبي والمعاملة غير الإنسانية حتى ضمن ما يُفترض أن يكون بيئة أقل قسوة.

  1. السجناء الذين لا يزالون محتجزين ويعانون من آثار التعذيب والإهمال الطبي

السيد محمد هاشم عبدالوهاب 

اعتقلت السلطات البحرينية القاصر السيد محمد هاشم عبدالوهاب، الذي كان يبلغ من العمر 17 عامًا وطالبًا في المدرسة، بشكل تعسفي في 3 يوليو 2025 بعد استدعائه إلى مديرية التحقيقات الجنائية. خلال احتجازه، تعرّض للتعذيب وانتُزعت منه اعترافات تحت الإكراه، كما حُرم من الزيارات العائلية ومن حقه في توكيل محامٍ، وخضع لمحاكمات غير عادلة، وتعرّض لأعمال انتقامية وللإهمال الطبي.

منع عبدالوهاب من دخول المحامي أو وجود ولي أمر، وخضع لاستجواب مكثف طوال الليل، حيث تلقّى تهديدات وإهانات لفظية قبل إجباره على توقيع اعترافات منتزعة تحت الإكراه. وُجهت إليه ثلاث قضايا، منها قضيتان تتعلقان بالحرق العمد، وأخرى بالتجمهر والمشاركة في مظاهرة. وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة عام وستة أشهر، بينما لا تزال قضية ثالثة معلقة.

طوال فترة احتجازه، حُرم السيد محمد من الزيارات العائلية لمدة تجاوزت الشهرين، قبل أن يحصل على أول زيارة في 25 سبتمبر 2025. وخلال هذه الزيارة، أبلغ عائلته أنه تعرّض للاعتداء لفظيًا وجسديًا من أحد حرّاس السجن بعد تقديمه طلبًا لإعادة تصنيفه ونقله إلى زنزانة أكثر ملاءمة لحالته النفسية، دون أن تُفتح أي تحقيقات أو تُحاسب الإدارة المسؤول عن هذا الاعتداء.

خلال فترة احتجازه، تعرض السيد محمد لإهمال صحي جسيم. فقد حُرم من أدوات النظافة ومن الاستحمام، إذ لم يُسمح له بجلب حاجاته الشخصية، مما أدى إلى ظهور حبوب في أنحاء مختلفة من جسمه تحولت لاحقًا إلى دمامل كبيرة سببت له ألمًا شديدًا. استدعى تدهور حالته نقله بشكل عاجل إلى مستشفى السلمانية لإجراء عملية تنظيف ووضع فتيلة، وأعيد في اليوم التالي إلى زنزانته التي تفتقر إلى المقومات الصحية والرعاية اللازمة.

وبعد أسبوعين، ظهرت له دملة أكبر، مما استدعى نقله مجددًا إلى المستشفى لإجراء عملية ثانية. كانت حالته الصحية والنفسية سيئة، وعندما حاولت عائلته الوقوف إلى جانبه خلال هذه الأزمة، حُرمت من ذلك، إذ كان لابد من الحصول على تصريح من إدارة السجن التي لا تمنح الموافقات إلا خلال أوقات الدوام الرسمي، إذ جرت العملية ليلة الجمعة.

تقول والدته إن ابنها كان يصرخ ويتعذب من داخله أثناء العملية، بينما لم تُبدِ السلطات أي اكتراث لتوسلاتهم من أجل مساعدته. وعندما حاولت والدته الدخول لمرافقته، تم نهرها وتخويفها من قبل الشرطة النسائية، وتم استدعاؤها عدة مرات من قبل الشرطة داخل السجن. بل وصل الأمر إلى تقديم شكوى ضدها في مركز الشرطة من قبل شرطي الحراسة، ما زاد من صعوبة محاولتها الوقوف إلى جانبه خلال محنته الصحية والنفسية.

وأكدت العائلة أن المشكلةكانت عدوى بكتيرية في الفخذ ومناطق أخرى من جسمه. وتم التعامل معها عبر العمليات الجراحية والمضادات الحيوية، واستقرت حالته بعد ذلك. بعد حوالي 11 يومًا، أعيد السيد محمد إلى السجن حيث استكمل العلاج وتنظيف الجرح.

إن استمرار اعتقال القاصر السيد محمد هاشم عبدالوهاب يجعله معرضًا لمزيد من الانتهاكات والتدهور الصحي والنفسي، في انتظار محاكماته المقبلة، في حين تُشير التوثيقات إلى أن التجربة التي مر بها لم تنته عند الاعتقال أو الأحكام الصادرة ضده، ما يبرز الحاجة الملحة لإجراءات عاجلة لحمايته وضمان حقوقه القانونية والصحية.

خليل ابراهيم الصفار 

خليل إبراهيم الصفّار، مواطن بحريني يبلغ من العمر 29 عامًا، لا يزال محتجزًا في سجن جو المركزي منذ اعتقاله في 10 سبتمبر 2015. قبل اعتقاله، خضع خليل لعملية جراحية لتركيب لوح معدني (بلاتينوم) في جمجمته إثر تهشّم سابق، وكان يتلقى العلاج اللازم لمتابعة حالته. إلا أنه منذ لحظة اعتقاله، بدأت حالته الصحية تتدهور بشكل حاد بسبب التعذيب الجسدي الذي استهدف مباشرة منطقة رأسه، ما أدى إلى ظهور نوبات صرع وتشنجات متكررة، بالإضافة إلى تلف الأعصاب وضعف البنية الجسدية، الأمر الذي أثر بشكل كبير على صحته النفسية والجسدية معًا.

خلال احتجازه، لم يُعطَ خليل العلاج المناسب، رغم تقديمه شكاوى يومية لإدارة السجن. كان يتم تحويله إلى عيادة المركز في حالات الإغماء فقط، حيث يكتفى الأطباء بإعطائه مسكنات عامة مثل البانادول وأدوية غير مناسبة لحالته مثل السيلان، أو أدوية مخصصة لمدمني المخدرات مثل ديباكين والتربتيزول، دون أي متابعة حقيقية لحالته العصبية أو إجراء أشعة وفحوص دقيقة على الجمجمة والأعصاب المتضررة. نتيجة هذا الإهمال، استمرت نوبات الصرع والتشنج عدة مرات يوميًا، ما أدى إلى ضعف دائم في الأعصاب، وإعاقة جزئية في اليد، وصعوبة في الحركة، بالإضافة إلى استمرار الألم المزمن في الرأس.

إفادات خليل الحديثة تؤكد أن إدارة السجن تتعمد تجاهل حالته الصحية، ما يوضح أن الإهمال الطبي في سجنه يمثل محاولة متعمدة لاستهدافه جسديًا ونفسيًا، وهو ما أطلق عليه وصف “الاغتيال الطبي”. استهدافه المتكرر من خلال الحرمان من العلاج وغياب التشخيص الصحيح يجعل حياته معرضة للخطر المستمر، ويؤكد الحاجة الملحّة لتقديم علاج طبي عاجل يشمل: متابعة طبية متخصصة لدى أطباء أعصاب، تقييم شامل لحالته العصبية والجسدية، علاج فعال للصرع والتشنجات، إعادة تأهيل حركي وعلاج طبيعي، بالإضافة إلى دعم نفسي مستمر.

خليل نفسه يصف وضعه الحالي بأنه تهديد مباشر لحياته، ويطالب بالإفراج الفوري أو السماح له بتلقي العلاج في الخارج، مؤكدًا أن استمرار احتجازه دون تدخل طبي مناسب يعرضه لمضاعفات خطيرة ويشكل تهديدًا دائمًا على صحته وحياته.

أسامة نزار الصغير

كان أسامة نزار الصغير طالبًا بحرينيًا يبلغ من العمر 19 عامًا عند اعتقاله عام 2017 خلال قمع الاحتجاجات السلمية في منطقة الدراز. منذ لحظة اعتقاله، تعرّض أسامة لانتهاكات قاسية تمثلت في التعذيب الجسدي والنفسي والاختفاء القسري والحبس الانفرادي، إلى جانب الإهانة على أساس مذهبي والتمييز الديني، ما ترك آثارًا عميقة على صحته الجسدية والنفسية. يقضي أسامة حاليًا حكمًا بالسجن لمدة 61 عامًا في سجن جو، في ظل استمرار الإهمال الطبي وغياب الرعاية الصحية اللازمة رغم وضعه الصحي الخطير.

خلال عملية اعتقاله، أُصيب أسامة برصاص انشطاري (شوزن) أدى إلى انتشار شظايا معدنية في مختلف أنحاء جسده، بما في ذلك الرأس والوجه والظهر واليدين. كما تعرض للضرب المبرح على رأسه ويديه رغم إصابتهما، ما تسبب في كسر يده اليسرى وتشوه إصبع يده بعد أن التحمت العظام بطريقة خاطئة نتيجة غياب العلاج. لا يزال أسامة يعاني من إعاقة في إصبعه الأيسر (الإصبع المجاور للإبهام) تمنعه من الحركة الكاملة، فضلًا عن استمرار وجود شظايا معدنية في يده ورأسه تسبب له آلامًا مزمنة وصداعًا حادًا ومتكررًا.

رغم خطورة حالته، لم يتلقَّ أسامة أي علاج فعّال. فعلى مدى السنوات الأولى من احتجازه، قوبلت مطالبه بالعلاج بالرفض أو الإهمال المتعمد، إذ أبلغته إدارة السجن حرفيًا: “حتى لو احتجت علاجًا، لن نعالجك.” وبعد مرور سنتين على الإصابة، التحمت عظام يده بشكل خاطئ من دون تدخل طبي مناسب. كما خضع لاحقًا للعلاج الطبيعي، لكن من دون إزالة الشظايا المعدنية من جسده، ما جعل العلاج غير ذي جدوى. حتى اليوم، لا يزال يعاني من وجود شظايا معدنية في جسده بالكامل، ويشعر بآلام حادة تزداد مع تغيّر درجات الحرارة، خصوصًا في فترات البرد، ما يعيق حركته ويؤثر على قدرته على النوم والقيام بالأنشطة اليومية.

تقدّم أسامة بشكاوى عديدة للأمانة العامة للتظلمات في البحرين بشأن حالته الصحية المتدهورة، إلا أن السلطات لم تتخذ أي خطوات جدية لمعالجته. بقي أكثر من تسعة عشر شهرًا من دون تلقي أي علاج طبي بعد الشكوى، بل أُجبر على التوقيع على استمارة تفيد بأنه تلقى العلاج رغم أنه لم يحصل على أي رعاية فعلية. كما رفضت إدارة السجن نقله إلى مواعيد طبية كانت محددة مسبقًا لمعالجة شظايا الرصاص في ديسمبر 2019 وفبراير 2020، مما أدى إلى تفاقم حالته وتدهور وضعه الصحي.

خاض أسامة عدة إضرابات عن الطعام احتجاجًا على حرمانه من العلاج وسوء المعاملة، أبرزها في مارس وسبتمبر 2019، حيث تدهورت حالته الصحية بشكل خطير أثناء أحد الإضرابات، إذ انخفض مستوى السكر في دمه إلى 3.8، وأُصيب بإغماء ونزيف في الرأس، قبل أن يُعاقب بوضعه في السجن الانفرادي بدلًا من نقله للعلاج. كما شارك في الإضراب الجماعي في أغسطس 2023، حيث سقط مغشيًا عليه نتيجة الإعياء الشديد وسوء حالته الصحية.

حتى اليوم، يعاني أسامة من آلام مزمنة في رأسه ويده اليسرى، مع استمرار وجود الشظايا المعدنية في جسده. لم يتلقَ أي علاج جراحي لإزالة الشظايا، ولم يُعرض على أطباء مختصين رغم تكرار المطالبات. إن حالته تمثل مثالًا واضحًا على الإهمال الطبي المنهجي في السجون البحرينية، حيث يُترك السجناء المصابون بإصابات خطيرة دون علاج فعّال، ما يحول الإصابات القابلة للعلاج إلى إعاقات دائمة تهدد حياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية على المدى الطويل.

جاسم محمد الإسكافي 

جاسم محمد الإسكافي، البالغ من العمر 23 عامًا، موظف في مصنع كرافت التابع لشركة مونديليز وعامل مستقل في الزراعة والبيع، تم اعتقاله تعسفيًا من قبل السلطات البحرينية في 23 يناير 2018، وخضع لمجموعة من الانتهاكات الجسدية والنفسية منذ بداية احتجازه. منذ أبريل 2019، يقبع جاسم في سجن جو، حيث تدهورت حالته الصحية بشكل كبير نتيجة الإهمال الطبي المتعمد وظروف الاحتجاز القاسية.

عانى جاسم من مشاكل صحية متعددة، أبرزها حساسية جلدية مزمنة تحوّلت إلى جرب شديد بسبب انعدام النظافة والرعاية الطبية. ظهرت على جسده بقع جلدية مؤلمة وحكة شديدة، لم يُقدم له أي علاج مناسب أو مراهم مضادة للحساسية. كما عانى من آثار التعذيب الجسدي، بما في ذلك كدمات وآلام مزمنة في المفاصل والعضلات، إضافة إلى إرهاق بدني شديد نتيجة سوء التغذية والاحتجاز في ظروف غير صحية. تضاف إلى ذلك أعراض نفسية تشمل القلق المستمر واضطرابات في النوم بسبب العزل وسوء المعاملة.

لم يُعرض جاسم على أي طبيب مختص منذ اعتقاله، وحرِم من الأدوية والمراهم اللازمة لعلاج الجرب والتهابات الجلد. عند طلبه العلاج أو زيارة المستوصف، كان يُعزل ويقيد بالأغلال بدلًا من تلقي الرعاية الطبية. كما يُمنع من استخدام الماء الدافئ في الشتاء والماء البارد في الصيف، ما أدى إلى تفاقم حالته الجلدية وزيادة معاناته. الظروف البيئية السيئة داخل السجن، مثل اكتظاظ الزنازين وسوء التهوية والمياه محدودة الجودة، أسهمت في تدهور صحته وزيادة ضعف المناعة لديه.

انضم جاسم إلى الإضراب المفتوح عن الطعام لحوالي أسبوعين، ضمن حملة أوسع للمعتقلين السياسيين في سجن جو احتجاجًا على الانتهاكات واستمرار احتجازهم التعسفي، ورفض إدارة السجن تلبية مطالبهم الإنسانية. وأفادت مصادر من داخل السجن أن 71 معتقلًا واصلوا الإضراب لنحو 14 يومًا، مع تسجيل حالات إغماء بسبب انخفاض معدل السكر في الدم إلى 3 لدى بعضهم، بما في ذلك جاسم، دون أن يتم تقديم أي تدخل طبي فعال. كما أشار المعتقلون إلى حرمانهم من بعض الحقوق التي كانت متاحة سابقًا، مثل إجراء الزيارات بين المعتقلين مع بعضهم البعض، والتراجع عن الوعود بالافراج القريب.

سادسًا: الآثار النفسية والاجتماعية للتعذيب

لا يقتصر التعذيب في البحرين على ما يخلّفه من إصابات جسدية آنية، بل يمتد أثره إلى أعماق نفس الضحية، حيث تتجذر الصدمة وتتحول إلى معاناة مستمرة تطال مختلف جوانب الحياة. فالسجناء السياسيون وسجناء الرأي لا يواجهون فقط الاعتداء الجسدي أثناء التحقيق أو الاحتجاز، بل يعيشون أيضًا إهمالًا طبيًا متعمدًا داخل السجون، وانعزالًا نفسيًا واجتماعيًا بعد الإفراج عنهم، ما يجعل التعذيب عملية متواصلة لا تنتهي بخروجهم من الزنزانة.

1. الاضطرابات النفسية طويلة الأمد

التعذيب المؤلم والمهين الذي يتعرض له المعتقلون في البحرين يترك ندوبًا نفسية عميقة لا تزول مع مرور الزمن. تظهر على الضحايا أعراض اضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والتي تتجسد في الكوابيس، الأرق، فقدان الذاكرة، نوبات الغضب، القلق المزمن، والخوف المستمر من الاعتقال مجددًا. كما يعاني البعض من الانعزال الاجتماعي والتقوقع على الذات وفقدان الإحساس بالأمان والثقة بالآخرين.

وثّقت ADHRB حالات عدة في هذا المجال، منها سيدة أُجبرت تحت التعذيب على خلع ملابسها وتعرضت للتهديد بالاغتصاب وقتل أطفالها، مما تركها في حالة صدمة دائمة، تعاني من كوابيس وانهيارات عصبية متكررة. وفي حالة أخرى، أُصيب معتقل برُهاب السرعة نتيجة نقله المتكرر بسيارات الشرطة بسرعة مفرطة، وكان يُصاب بنوبات إغماء دون علاج.  أما حالة ثالثة، فقد تعرّضت امرأة لركلات عنيفة في منطقة حساسة خلال التحقيق، ما استدعى عملية جراحية في الرحم، لتخرج بعد الإفراج عنها مصابة باضطراب الخوف المستمر من المداهمة أو الاعتقال مجددًا.

هذه الحالات ليست فردية، بل تمثل نمطًا واسعًا من الآثار النفسية الناتجة عن التعذيب الجسدي والإذلال المتعمد الذي تمارسه السلطات البحرينية لكسر إرادة المعتقلين وإخضاعهم.

2. غياب خدمات الصحة النفسية

الإهمال الطبي في السجون البحرينية ليس مجرد إغفال، بل ممارسة ممنهجة تُستخدم كأداة للعقاب. فبدلًا من توفير الرعاية الصحية المناسبة، تُترك الحالات النفسية والجسدية دون علاج حتى تتفاقم.

تشير ADHRB إلى أن السلطات تجاهلت كليًا احتياجات السجناء النفسية، ولم توفر لهم أي دعم متخصص لمعالجة آثار التعذيب. أحد الأمثلة البارزة هو سجين دون سن 21 عامًا عانى من تدهور نفسي حاد بعد التعذيب، وبدأ يعاني من اضطراب “نتف الشعر” (Trichotillomania)، دون أن يُقدَّم له أي علاج.

حتى في الحالات التي يُنقل فيها السجناء إلى مستشفى الطب النفسي، لا يتلقون علاجًا حقيقيًا لمعالجة آثار التعذيب، لأن السلطات لا تعترف أصلًا بوجود هذه الانتهاكات. وثّقت المنظمة حالة سجين أصيب بأعراض فصام وهلاوس بعد أربعة أشهر من اعتقاله، وحاول الانتحار أكثر من مرة داخل المستشفى، ثم أُعيد إلى السجن دون أي تحسن.

إلى جانب الإهمال الرسمي، تسهم الوصمة الاجتماعية والخوف من الملاحقة في تفاقم الأزمة. فالكثير من الضحايا يخشون طلب المساعدة النفسية بعد الإفراج، إما خوفًا من الأمن أو من العار الاجتماعي، خاصة النساء اللواتي تعرضن للاعتداء الجنسي.
ويؤكد أطباء نفسيون أن الضحايا “فقدوا إحساسهم بالأمان وبالقدرة على السيطرة على حياتهم”، وأن التأهيل النفسي والدعم المجتمعي شبه غائبين تمامًا في السياق البحريني.

3. الآثار الاجتماعية الممتدة

تتجاوز آثار التعذيب والإهمال الطبي الضحية الفرد لتطال الأسرة والمجتمع بأسره. فالكثير من الضحايا يخرجون من السجن وقد فقدوا وظائفهم، وتفككت علاقاتهم الأسرية، وانهارت ثقتهم بالآخرين.

إحدى الأمهات المفرج عنهن روت أن أطفالها باتوا يخشون مغادرتها بعد أن تعود، بسبب نوبات الغضب والاكتئاب التي تعانيها. أخرى فقدت عملها وعزلت نفسها عن المجتمع.
أحد الضحايا الذكور كان على وشك الزواج قبل اعتقاله، لكن بعد الحكم عليه بالسجن 15 عامًا وتشخيصه بالسرطان، فُسخت خطوبته وخرج بعد الإفراج يعاني من قلق دائم وشعور بالمراقبة المستمرة.

حتى الرياضيون والفنانون فقدوا مستقبلهم، كأحد الرياضيين الذين قضوا عشر سنوات في السجن، فخرج عاجزًا جسديًا ونفسيًا عن العودة إلى حياته الطبيعية. وفي حالة الشقيقين اللذين اعتُقلا وهما قاصران، أدى التعذيب والإهانة المستمرة إلى تدمير ثقتهما بأنفسهما وبالمجتمع، حتى أصبح الأصغر منهما يخشى مغادرة المنزل أو البحث عن عمل.

سابعًا: قراءة قانونية في انتهاك البحرين للالتزاماتها

تُعد ممارسات التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي في السجون البحرينية انتهاكًا صارخًا للالتزامات الدولية التي تعهدت بها البحرين، كما أنها تمثل إخلالًا واضحًا بالمعايير القانونية والحقوقية. فالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب (CAT) التي صادقت عليها البحرين عام 1998، تلزم الدولة بمنع التعذيب، وضمان عدم إفلات مرتكبيه من العقاب، وتوفير آليات تحقيق مستقلة وفعّالة في حالات التعذيب أو المعاملة القاسية. ومع ذلك، تشير الوثائق والشهادات الميدانية، بما في ذلك ملاحظات لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة خلال دورتها حول البحرين التي عقدت مؤخرًا، إلى أن الضباط المتورطين في التعذيب، سواء الجسدي أو النفسي، لم يُحاسبوا فعليًا، وأن المحاكمات التي تتناول قضايا المعتقلين السياسيين غالبًا ما تتجاهل الاعترافات القسرية المنتزعة منهم تحت التعذيب.

وفي هذا السياق، أعربت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة  في مراجعتها التزام المنامة بأحكام اتفاقية مناهضة التعذيب والتي انعقدت في جنيف  بتاريخ 18 و19 نوفمبر 2025، عن قلقها البالغ بشأن استمرار حالات سوء المعاملة والتعذيب في البحرين، كتعرض المعتقلين للعنف والضرب وسوء المعاملة الجسدية واللفظية والعقاب الجماعي والحرمان من الرعاية الطبية وسوء الصرف الصحي والانقطاعات المستمرة في الكهرباء والماء والنقص في الغذاء والحبس الانفرادي لفترات طويلة وتقييد الزيارات والاكتظاظ في الزنازين، وحرمان القاصرين في سجن الحوض الجاف من التعليم والعلاج. ولفتت اللجنة إلى وجود نقص في بعض الضمانات مثل الفحص الطبي الشرعي الفوري للمعتقلين مباشرة بعد التوقيف وغياب الكاميرات في غرف استجواب المعتقلين. وأشارت اللجنة إلى تغييب حقوق المحتجزين في السجون البحرينية، كمراجعة احتجازهم من قبل قاضٍ خلال 48 ساعة من الاعتقال، والاستعانة بمحامٍ، وإخطار أسرهم بمكان احتجازهم. ولاحظت اللجنة أن هيئات الرقابة البحرينية، بما في ذلك الأمانة العامة للتظلمات ووحدة التحقيق الخاصة، لا تُجري تحقيقات فعالة وتفتقر إلى سلطة تقديم الشكاوى مباشرة إلى القضاء. كما أعربت عن قلقها إزاء عدم استقلال القضاء، حيث يرفض القضاة ادعاءات التعذيب دون الشروع في التحقيقات. وأكدت اللجنة الحاجة إلى تعزيز المساءلة والشفافية، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة حول الانتهاكات، مع تقديم الحماية الكاملة للمعتقلين السياسيين. وحثت اللجنة البحرين على ضمان الاحترام الكامل للحقوق الإجرائية لجميع المعتقلين، وتحديد مدة الحبس الانفرادي بما لا يتجاوز 15 يومًا، وتلبية الاحتياجات الأساسية للمحتجزين، وخاصة فيما يتعلق بالحصول على المياه والصرف الصحي والغذاء والتهوئة ونور الشمس والرعاية الطبية، وزيادة عدد موظفي السجون المدربين والمؤهلين، بمن فيهم الطاقم الطبي. كما دعت البحرين إلى ضمان احترام الحقوق الأساسية للمحتجزين في جميع الأوقات، وعدم فرض أي أعمال انتقامية أو عقوبات جماعية على السجناء لاحتجاجهم على ظروف احتجازهم، وضمان المساءلة والتعويض المناسب لضحايا التعذيب بما في ذلك التدابير غير المالية وضمانات منع التكرار.

كما تُخالف ممارسات البحرين العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، الذي يحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ويضمن حماية المعتقلين من الاعتقال التعسفي. فاستمرار الاعتقالات دون مذكرة توقيف، واحتجاز الأطفال القاصرين، واستخدام التعذيب لاستخلاص الاعترافات، كلها أمثلة على خرق واضح للمواد 1 و9 و14 من العهد.

كذلك، تخالف ممارسات البحرين من ناحية الإهمال الطبي والحرمان من الرعاية الطبية المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، والتي تلزم الدول الأطراف بضمان حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية وبتأمين الوقاية والعلاج والمكافحة لجميع الأمراض والمشاكل الصحية لمطلق أي إنسان، بما في ذلك تأمين جميع الخدمات  والعناية الطبية في حالة المرض.

علاوة على ذلك، فإن قواعد نيلسون مانديلا للسجون، والتي تمثل معيارًا دوليًا لتوفير حقوق السجناء، تُلزم السلطات بتوفير الرعاية الصحية الكاملة للمحتجزين دون تمييز، وضمان وصولهم إلى الأطباء والفحوصات الطبية بشكل منتظم. إلا أن التقارير الميدانية تشير إلى حرمان المعتقلين السياسيين من الرعاية الطبية اللازمة، بما في ذلك الأدوية الأساسية والفحوصات الدورية، حتى في حالات الأمراض المزمنة أو الإصابات الناتجة عن التعذيب، ما أدى إلى تدهور صحتهم الجسدية والعقلية، ووصول بعضهم إلى مرحلة الموت أو العجز الدائم.

تُظهر هذه الانتهاكات أن البحرين لا تلتزم فقط بواجبها الدولي لمنع التعذيب وحماية السجناء، بل تعتمد في الواقع سياسة الإفلات من العقاب، مما يعكس ثقافة مؤسساتية مترسخة تسمح باستمرار سوء المعاملة والإهمال الطبي كأدوات عقابية ضد المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

ثامنًا: فشل الهيئات الرقابية وانتشار الإفلات من العقاب

تشير الوقائع إلى أن استمرار التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي في السجون البحرينية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفشل الدولة في توفير آليات شكوى مستقلة وفعّالة، وهو ما أدى إلى ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب. فالهيئات الرقابية المحلية القائمة، مثل مكتب الأمانة العامة للتظلمات، وزارة الداخلية، ووحدة التحقيق الخاصة في النيابة العامة، والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ولجنة حقوق السجناء والمحتجزين، جميعها تفتقر إلى الاستقلالية الفعلية وتخضع بالكامل لسيطرة وزارة الداخلية، مما يجعلها عاجزة عن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أو حماية المعتقلين من الانتقام.

نتيجة لذلك، غالبًا ما يتعرض السجناء الذين يرفعون شكاوى عن التعذيب أو سوء المعاملة لمزيد من العقوبات، تشمل العزل الانفرادي، وحرمانهم من العلاج الطبي أو من حقوقهم الأساسية الأخرى، إضافة إلى تفاقم سوء المعاملة النفسية والجسدية. هذه السياسات المؤسسية تكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، وتحوّل التعذيب والإهمال الطبي إلى أدوات منتظمة للانتقام من المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بدلًا من أن تكون ممارسات تُحاسب عليها القوانين الوطنية والدولية.

ويُظهر الواقع أيضًا أن غياب آليات مستقلة للتحقيق في شكاوى السجناء يجعل تقديم المشتكين إلى العدالة شبه مستحيل، ويضمن استمرار الانتهاكات دون أي مساءلة. في هذه البيئة، تتحول السجون إلى مساحة غير آمنة وغير إنسانية، حيث يمتد التعذيب الجسدي والنفسي والإهمال الطبي ليصبح جزءًا من سياسة منهجية للدولة تهدف إلى قمع المعارضة وإسكات الأصوات المنتقدة، مع استبعاد أي رقابة فعّالة على ممارسات السلطة الأمنية.

تاسعًا: التوصيات

  • الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع سجناء الرأي والنشطاء السياسيين والقاصرين: لضمان حماية حقوقهم الأساسية وإنهاء استمرار التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي.
  • ضمان الرعاية الطبية المتخصصة لجميع السجناء دون قيود أو تمييز: يشمل ذلك المرضى المصابين بأمراض مزمنة، والإصابات الناتجة عن التعذيب، والحالات الطارئة، مع توفير الأدوية والفحوصات الدورية، وإمكانية الوصول إلى أطباء متخصصين. كما يجب حظر استخدام الحرمان من العلاج أو تأجيل المواعيد الطبية كوسيلة عقابية.
  • إنشاء آلية رقابة مستقلة للتحقيق في التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي: يجب أن تكون مستقلة عن وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، وقادرة على تلقي شكاوى المعتقلين والتحقيق الفوري، وحماية المشتكين من أي شكل من أشكال الانتقام، وضمان مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
  • ضمان المحاسبة القانونية للمسؤولين عن التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي: يجب مقاضاة كل من يثبت تورطه في هذه الانتهاكات وفقًا للمعايير الدولية، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مع فرض عقوبات مناسبة وفعّالة.
  • التعويض وجبر الضرر لجميع ضحايا الاعتقال التعسفي والتعذيب والإهمال الطبي والإجراءات الانتقامية في السجون وظروف السجن السيئة.
  • توفير برامج دعم نفسي وإعادة تأهيل للمفرج عنهم وأسرهم: تشمل الرعاية الطبية والنفسية الطويلة المدى للمعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب أو الإهمال الطبي أو الانتهاكات الأخرى، بما يعزز إعادة اندماجهم في المجتمع.
  • تمكين الهيئات الأممية والحقوقية من مراقبة السجون بحرية: السماح للمقررين الخاصين للأمم المتحدة والهيئات الدولية بزيارة السجون، ومراجعة السجلات الطبية، ومقابلة المعتقلين دون قيود، لضمان الالتزام بالمعايير الدولية وتحقيق الشفافية.
  • تعديل التشريعات الوطنية لضمان الالتزام بالمعايير الصحية والحقوقية الدولية: يجب أن تتضمن القوانين نصوصًا صريحة تلزم الدولة بتوفير الرعاية الطبية المستمرة لجميع المعتقلين، وتحظر الإهمال الطبي أو استخدامه كوسيلة عقابية، بما يتوافق مع اتفاقية مناهضة التعذيب، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقواعد نيلسون مانديلا.

خاتمة

يتضح من هذه الشهادات أن التعذيب في البحرين لا ينتهي بانتهاء التحقيق أو السجن، بل يستمر عبر الإهمال الطبي الممنهج، والحرمان من العلاج، والآثار النفسية والاجتماعية الممتدة على الضحايا وعائلاتهم. فالدولة لا تكتفي بحرمان المعتقلين من العدالة والمحاسبة، بل تمنعهم أيضًا من حقهم في العلاج وإعادة التأهيل، تاركة إياهم يواجهون وحدهم صدمات عميقة لا تزول بسهولة. العديد من المفرج عنهم ما زالوا يعانون من مضاعفات صحية خطيرة نتيجة الإهمال الطبي داخل السجون، بما في ذلك أمراض مزمنة لم تُعالج، وإعاقات دائمة، وضعف شديد في الرؤية والقدرة على الحركة، ما يؤثر على حياتهم اليومية وقدرتهم على الاندماج في المجتمع.

إن ما يحدث في السجون البحرينية يتجاوز مجرد الإهمال، ليصل إلى مستوى ما يمكن وصفه بـ “التعذيب الصامت”، إذ لا يترك آثارًا فورية على الجسد فحسب، بل يمتد ليحاصر الروح والعائلة والمجتمع بأسره. الإهمال الطبي المتعمد، والحرمان من الرعاية الصحية، واستمرار العقاب بعد الإفراج، جميعها حلقات ضمن منظومة واحدة تهدف إلى إخضاع الإنسان وكسر إرادته وإسكات أصوات المعارضة.

وفي غياب العدالة والمساءلة، تظل معاناة الضحايا، سواء أثناء الاحتجاز أو بعد الإفراج، شاهدًا حيًا على فشل حكومة البحرين في احترام أبسط حقوق الإنسان، ويظل المجتمع الدولي مسؤولًا عن الضغط على السلطات البحرينية لإنهاء هذه السياسة الممنهجة وإعادة الاعتبار للضحايا.

وعليه، تجدد منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB) مطالبها بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع سجناء الرأي والنشطاء السياسيين، وتمكينهم من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة دون قيود، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة في حالات التعذيب والإهمال الطبي، ومحاسبة المسؤولين المتورطين وفقًا للقانون الدولي، وتعويض الضحايا عما تعرضوا له. كما تدعو المنظمة المجتمع الدولي والهيئات الأممية إلى تكثيف الرقابة على سجون البحرين، وحث السلطات على الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان والمعاملة الإنسانية للمحتجزين.

إن استمرار التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون البحرينية، واستمرار آثاره المدمرة على المفرج عنهم، يشكل انتهاكًا ممنهجًا لحقوق الإنسان، ويؤكد الحاجة الملحة لمساءلة المسؤولين وحماية الضحايا، ويضع على المجتمع الدولي مسؤولية عاجلة للتحرك لإنهاء هذه الممارسات واستعادة كرامة المعتقلين والمفرج عنهم على حد سواء.