شهدت مدينة بيليم البرازيلية من 10 إلى 21 نوفمبر 2025 محادثات مكثّفة بين ممثلي 196 دولة لبحث مسار التقدّم العالمي في ملفّ تغيّر المناخ. وبينما سعت غالبية الدول الحاضرة إلى تضمين دعوة واضحة للتخلّص التدريجي من الوقود الأحفوري، قادت السعودية جهودًا لإزالة هذا البند من الاتفاق النهائي. وأوضح المندوب السعودي أنّ أي خطاب يُعتبَر استهدافًا لقطاع النفط السعودي سيدفع المملكة إلى نقض الإجماع الدولي.
وتملك السعودية فعليًا سلطة تعطيل أي بند لا توافق عليه، إذ لا تُقرّ اتفاقات كوب إلا بإجماع الدول المشاركة. وقد منح هذا النظام، المعمول به منذ تأسيس اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (UNFCCC)، السعودية القدرة على نقض كل مبادرة طُرحت منذ عام 1992 للانتقال نحو نظام تصويت يعتمد الأغلبية.
وتعكس مواقف السعودية الاقتصادية اعتمادًا مباشرًا على الوقود الأحفوري، إذ يشكّل النفط والغاز 90% من عائداتها التصديرية، بما يعادل 87% من إيرادات ميزانيتها. كما يصنّف مؤشر أداء تغيّر المناخ المملكة كأسوأ دولة عالميًا من حيث الانبعاثات واستخدام الطاقة والسياسات المناخية.
ولا تقتصر آثار التوسّع السعودي غير المسؤول في استخراج الوقود الأحفوري على البيئة، بل تمتدّ إلى حقوق الإنسان عالميًا. ففي عام 2023، أرسلت الأمم المتحدة رسالة تحذير إلى أرامكو والحكومة السعودية بشأن هذا التوسّع وما يحمله من مخاطر حقوقية، إذ تُلحق الأنشطة النفطية للمملكة ضررًا مباشرًا بالحق في بيئة صحية—وهو حقّ مُعترف به من جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وقدّمت منظمة ClientEarth البيئية الدولية شكوى قانونية ضد أرامكو في عام 2021، متهمة الشركة السعودية بارتكاب أكبر انتهاك مناخي لحقوق الإنسان في التاريخ. كما أعرب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء الآثار العالمية التي تخلّفها أنشطة السعودية في مجال الوقود الأحفوري على حقوق الإنسان—بما في ذلك تفاقم أزمة المياه العالمية التي تحرم ملياري شخص من الوصول إلى مياه شرب آمنة. وأكد المجلس على ضرورة التزام السعودية بحماية حقوق الإنسان من خلال سنّ تشريعات تُلزم بخفض الانبعاثات على مستوى الدولة.
وفي الوقت نفسه، تعمل السعودية على خلق ستارٍ دخاني من الغسل الأخضر لصرف الأنظار عن مساهمتها الكبيرة في تفاقم الأزمة المناخية. ففي عام 2021، أعلنت المملكة مبادرة السعودية الخضراء التي تهدف إلى تحقيق الحياد الصفري بحلول عام 2060، وزراعة 10 مليارات شجرة، وإطلاق مشروع طاقة نظيفة بقيمة 10.4 مليارات دولار في الخليج. لكن هذا الإعلان الضخم لم تُرافقه أي سياسات أو خطط تنفيذية ملموسة، ولم يظهر أي دليل على تقدم فعلي نحو هذه الأهداف. وقد جاء هذا الإعلان “التقدّمي” بعد أيام فقط من كشف أرامكو عن خطتها لزيادة إنتاج النفط الخام من 12 إلى 13 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2027، رغم تأكيد خبراء المناخ ضرورة إبقاء معظم الهيدروكربونات في باطن الأرض إذا أراد العالم تحقيق أي تقدّم حقيقي في مواجهة تغيّر المناخ.
وتتجلّى المفارقة الواضحة في السياسة السعودية بين التوسع المتواصل في قطاع النفط والإعلان عن مشاريع الطاقة المتجددة عبر ما تسمّيه المملكة “اقتصاد الكربون الدائري”. فهذا المشروع يتيح لها الاستمرار في التوسّع في الوقود الأحفوري، مقابل “موازنة” الانبعاثات عبر تقنيات احتجاز الكربون—وهي تقنيات لم تُثبت فعاليتها بعد. وتسمح هذه المبادرات “الخضراء” الشكلية للسعودية بتقديم واجهة تُوحي بالالتزام بالمناخ، بينما تظلّ مساهمتها في الأسباب الجذرية لتغيّر المناخ كبيرة ومستمرة.
ومن الواضح أنّ السعودية ماضية في تقويض المبادرات التقدّمية الهادفة إلى معالجة الأزمة المناخية، كما برز في مؤتمر كوب هذا العام، وبالنهج ذاته الذي ظهر في مؤتمر العام الماضي حين كُشف عن تلاعب المندوبين السعوديين بمسودّات الاتفاق النهائي. ويتكرّر هذا السلوك في جميع مؤتمرات كوب، حيث تعارض المملكة أي تحرّك للحدّ من الوقود الأحفوري، وتتجاهل الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، وتقوّض اتفاق باريس للمناخ. ومن الضروري أن تُحاسَب السعودية على التزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي والاتفاقيات المناخية.

