تواجه المملكة العربية السعودية، التي تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه، تزايدًا سكانيًا من المتوقع أن يرتفع من 35 مليونًا إلى 40.1 مليونًا بحلول عام 2030، مما يجعل إدارة المياه أحد أهم جوانب سياستها الوطنية. ومع تحول ندرة المياه إلى قضية ملحة بشكل متزايد، التجأت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك السعودية، إلى تقنيات تحلية المياه لتأمين موارد المياه اللازمة لاستدامة سكانها.
تعد السعودية حاليًا البلد الرائد في العالم لمياه الشرب المحلاة. منذ الخمسينيات، اعتمدت البلاد على استخراج مياه البحر لتلبية احتياجاتها المائية. واليوم، تصل طاقتها الإنتاجية إلى 3.3 مليون متر مكعب يوميًا، مدعومة بـ27 بمحطة لتحلية المياه، بما في ذلك 12 محطة تعمل بتقنية الوميض متعدد المراحل، و7 محطات بالتقطير متعدد التأثيرات، و8 محطات بالتناضح العكسي، وجميعها تعمل بشكل أساسي بالوقود الأحفوري. وعلى الرغم من هذه القدرة الكبيرة، لا تزال تواجه المملكة تحديات تتعلق بالاستدامة، واستهلاك الطاقة، والأثر البيئي.
في الواقع، على الرغم من تسجيل المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة رقماً قياسياً عالمياً في عام 2021 لمحطة تحلية المياه الأقل استهلاكاً للطاقة، باستخدام 2.27 كيلووات في الساعة فقط لكل متر مكعب من المياه المعالجة، إلا أن الوقود الأحفوري يظل مصدر الطاقة الرئيسي لتحلية المياه فيالسعودية. وتشير التقارير إلى أن المملكة تستهلك ما يقارب 300 ألف برميل من النفط يومياً لدعم إنتاجها من تحلية المياه، أي ما يعادل 20 من إجمالي إنتاجها من النفط. إن العواقب البيئية لهذا الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري كبيرة: على سبيل المثال، يمكن لمنشأة واحدة أن تولد بصمة كربونية سنوية تبلغ حوالي 358,898 طنًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مع كثافة انبعاثات تبلغ 1.79 كغ مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل متر مكعب من المياه المنتجة. ولتوضح ذلك، فإن الانبعاثات الصادرة عن محطة واحد تعادل تقريبًا الإنتاج السنوي لنحو 77 ألف سيارة ركاب أو 430 رحلة ذهاب وإياب بين لندن ونيويورك.
وإلى جانب هذه الاعتبارات البيئية، تثير تحلية المياه أيضًا قضايا مهمة تتعلق بحقوق الإنسان والحكومة. فضمان إمدادات المياه المستدامة لا يقتصر على الحلول التقنية فحسب، بل يتطلب أيضًا احترام الحق في المياه وفي بيئة صحية للأجيال الحالية والمستقبلية. ويستلزم ذلك الشفافية وإتاحة الوصول إلى المعلومات المتعلقة بجودة المياه وتأثيرات مشاريع تحلية المياه، والمشاركة العامة في صنع القرار بشأن مواقع المحطات وتصميماتها، والتوزيع العادل للمياه بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية. علاوة على ذلك، تؤثر تحلية المياه على قضايا أوسع تتعلق بالأمن الإنساني، ، بما في ذلك الأمن الغذائي، وقدرة المجتمعات المحلية على الصمود، والاستدامة طويلة الأمد.
وفي إطار رؤية 2030 تسعى المملكة العربية السعودية جاهدة لتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري في تحلية المياه، وزيادة استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين استدامة وكفاءة أنظمة إمدادات المياه لديها. ومن المبادرات الرائدة في هذا المجال محطة تحلية الخفجي وهو أكبر مشروع لتحلية المياه بالطاقة الشمسية في العالم، ويزود المنطقة بإمدادات مياه موثوقة بطريقة مبتكرة ومستدامة بيئياً. كما جرى النظر في مشاريع أخرى، خاصة في القطاع النووي. وقد تم توثيق مزايا تحلية المياه النووية على نطاق واسع، بما في ذلك خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة، والقدرة على إنتاج كميات كبيرة من المياه بشكل موثوق، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما يجعلها خيارًا واعدًا لإمدادات المياه المستدامة في المناطق التي تعاني من شحالمياه. ومع ذلك، على الرغم من الدعم الحكومي الأولي لإدخال مرافق تحلية المياه النووية، فإن التقدم في هذا المجال ظل محدودًا.
في نهاية المطاف، ورغم أن السعودية حققت خطوات كبيرة في تطوير تقنيات تحلية المياه، فإن تحقيق مستقبل مائي مستدام وعادل حقًا لن يتطلب الابتكار التكنولوجي فحسب، بل يتطلب أيضًا تعزيز الحوكمة البيئيةومشاركة المجتمعات المحلية، والتزامًا ثابتًا بحقوق الإنسان في إطار رؤية 2030. وعلى الرغم من التعهدات بأن المملكة سوف تلتزم بالمبادئ الثلاثة المتمثلة في إدارة المياه، وتوافرها، وإمكانية الوصول إليها، والقدرة على تحمل تكاليفها، يبقى أن نرى ما إذا كان من الممكن تحقيق هذه الالتزامات بالكامل من خلال الممارسة العملية.

