تماشيًا مع رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء (SGI)، تعمل المملكة على تطبيق سياسات خضراء في قطاع البناء بهدف تعزيز الاستدامة، وخفض الانبعاثات، ودعم الاقتصاد الأخضر. أُطلقت مبادرة السعودية الخضراء عام 2021، لتوحّد جهود الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع بأكمله لتحقيق هدف الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام 2060، ويُشكّل قطاع البناء دورًا محوريًا في تحقيق هذه الأهداف.
مع ما تشهده السعودية من نمو سكاني متسارع، بات من الضروري تطوير مبانٍ جديدة تراعي تزايد المخاوف المرتبطة بتغيّر المناخ والاحتباس الحراري. وتزداد أهمية هذا التحدي في ظل اعتماد اقتصاد المملكة تاريخيًا على استخراج الوقود الأحفوري، الأمر الذي يجعل الانتقال إلى البناء المستدام خيارًا لا غنى عنه.
تُعتبر المباني المستهلك الأكبر للطاقة والانبعاثات، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. ففي عام 2011، شكّلت المباني نحو 30% من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي عالميًا، و27% من إجمالي انبعاثات قطاع الطاقة. جاء حوالي 8% من بين هذه الانبعاثات مباشرة من المباني، و19% انبعاثات غير مباشرة ناتجة عن الكهرباء والحرارة المستخدمة في تشغيل هذه المباني. تشهد السعودية وتيرة تطوير متسارعة، وتؤدي دورًا مهمًا في قطاع البناء والتشييد. وفقًا لبيانات إدارة الأبحاث في شركة ستاتيستا (2022)، ساهمت أنشطة البناء بحوالي 45.4 مليار دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، ما يُبرز الأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذا القطاع.
كما سجّلت المملكة رقمًا قياسيًا باستحواذها على 2,000 مشروع من أصل 5,000 مشروع مبانٍ خضراء قيد التنفيذ حاليًا في الشرق الأوسط. ومن خلال إعطاء الأولوية للاستدامة والكفاءة والانسجام مع البيئة، تعهدت السعودية بإعادة تعريف تصميم وبناء وتشغيل المساحات بما يعزز الصحة، ويقلل الأثر البيئي، ويدعم المرونة الاقتصادية.
تواجه المملكة العربية السعودية تحديات في تطبيق الإسكان المستدام، ناتجة عن قسوة الظروف البيئية، والتوسع الحضري السريع، إضافة إلى اعتبارات اجتماعية وثقافية. إذ تتراوح درجات الحرارة بين -11 درجة مئوية و51 درجة مئوية، بينما تؤدي ندرة المياه إلى الاعتماد على تحلية المياه والمياه الجوفية غير المتجددة، ما يساهم في ارتفاع البصمة البيئية للبلاد. كما برزت إشكاليات تتعلق بالخصوصية نتيجة تمدّد المباني الشاهقة على حساب المنازل العائلية منخفضة الارتفاع، مما ولّد توترات اجتماعية وثقافية.
إضافةً إلى ما سبق، تتجاوز الاستدامة الحقيقية استخدام مواد صديقة للبيئة. فعلى سبيل المثال، لا يكفي اعتماد زجاج مقاوم للحرارة على سطح تبلغ حرارته 51 درجة مئوية، ولا يحقق الاستدامة المنشودة. رغم تزايد الاهتمام بمفاهيم الإسكان المستدام المبتكرة وارتفاع مستوى الوعي المهني، لا يزال التطبيق الواسع يواجه تحديات كبيرة، من بينها محدودية الوعي المجتمعي، وارتفاع التكاليف المتصوَّرة، والحاجة إلى تنسيق فعّال بين الجهات الحكومية والمخططين والمجتمعات المحلية.
يبرز تحدٍّ رئيسي آخر مع انطلاق مشاريع كبرى مثل “نيوم” و”المربع الجديد“، يتمثّل في ضمان ألا يتحوّل الإسكان الأخضر إلى امتياز يقتصر على الفئات الميسورة. فمشروع “نيوم”، المدينة العملاقة الطموحة في المملكة، تُقدَّر تكلفته بنحو 9 تريليونات دولار وقد يستغرق إنجازه أكثر من خمسة عقود، وفقًا لتدقيق داخلي نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”. كما كشف التدقيق عن تأخيرات كبيرة وتجاوزات في الميزانية، وقفزة هائلة عن التقدير الأولي البالغ 500 مليار دولار، ما يسلّط الضوء على خطورة أن تُعطي مثل هذه المشاريع عالية التكلفة وطويلة الأمد الأولوية للأثرياء، في حين قد تُقصي الطبقة المتوسطة وتحدّ من إتاحة الإسكان المستدام على نطاق أوسع.
علاوة على ذلك، تُهدّد البصمة الكربونية الضخمة لنيوم، والكميات الهائلة من المواد الخام المطلوبة، والمخاطر المحتملة، النظام البيئي الإقليمي، وتتعارض بشكل واضح مع مبدأ «مدينة خضراء مستقبلية»، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول استدامتها البيئية والاجتماعية. تزداد هذه المخاوف حدّة مع تقارير عديدة توثّق ظروف العمل القاسية التي يتعرض لها العمال الوافدون الذين يُنفّذون هذه المشاريع، ما يفتح باب التساؤل حول ممارسات العمل ومفهوم الاستدامة الاجتماعية المصاحب لها.
باختصار، ورغم الخطوات الكبيرة التي تخطوها السعودية نحو البناء المستدام من خلال رؤية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، لا تزال هناك تحديات بيئية، واجتماعية، واقتصادية. فبين قسوة المناخ والتوسع الحضري السريع، وقضايا العدالة السكنية وحقوق العمال، إلى جانب الأثر البيئي للمشاريع العملاقة مثل “نيوم”، يتّضح أن تحقيق إسكان مستدام وشامل بحق يتطلّب تخطيطًا دقيقًا، ومشاركة مجتمعية واسعة، والتزامًا حقيقيًا بالموازنة بين الابتكار من جهة، والمسؤولية الاجتماعية والبيئية من جهة أخرى.

