أثار التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي نقاشات واسعة تمتد من الأمن العسكري إلى الكفاءة البيئية والاستدامة. وبات ينظر إلى الذكاء الاصطناعي اليوم بوصفه تقنية ذات استخدام مزدوج، إذ يحمل وعودًا كبيرة بتحقيق فوائد مجتمعية واسعة، وفي الوقت ذاته يَطرح تحديات أخلاقية وسياسية واستراتيجية مُعقّدة.
عند استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لرصد التدهور البيئي أو قياس التقدم المُحقق، تتجلى قيمته الأساسية في قدرته على تحليل كميات هائلة ومُعقّدة من البيانات، ورصد الأنماط الخفية، والانحرافات، والعلاقات، والاتجاهات طويلة الأمد التي تَتجاوز القدرات التحليلية البشرية. من خلال الاستفادة من البيانات التاريخية لتوليد توقّعات مستقبلية، بات الذكاء الاصطناعي أداة محورية في مراقبة البيئة وتقييمها. مما فتح آفاقًا جديدة أمام الحكومات والشركات والأفراد لاتخاذ قرارات أكثر استدامة بيئيًا، إلى جانب تحسين كفاءة جمع البيانات وتحليلها. فاعتمد برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) تقنيات مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرَصد انبعاثات غاز الميثان من منشآت النفط والغاز، وهو أحد أخطر الغازات الدفيئة وأكثرها تسريعًا لوتيرة تغيّر المناخ.
تشهد دول الشرق الأوسط تسارعًا ملحوظًا في تطوير ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجيات وطنية طويلة الأمد، تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الريادة التكنولوجية. تأتي السعودية في مقدمة الدول التي تتبع هذا التوجه، إذ وضعت الذكاء الاصطناعي في صلب “رؤية 2030″، وترتبط نحو 70% من أهدافها الاستراتيجية بالبيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي. عملت السعودية على ترسيخ طموحاتها في هذا المجال من خلال إنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، المسؤولة عن الإشراف على الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات. في أواخر عام 2024، أعلنت المملكة عن “مشروع التفرّد” بقيمة 100 مليار دولار، وهو مبادرة ضخمة تَهدف إلى تحويل السعودية إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، عبر الاستثمار في البُنية التحتية للبيانات، ودعم الشركات الناشئة، واستقطاب الكفاءات، وتعزيز الشراكات الدولية. تَنسجم هذه الجهود مع الأهداف المعلنة للسعودية بالانضمام إلى قائمة الدول الرائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، والتحول إلى مُصدّر للتقنيات الذكية بحلول عام 2030. مواكبةً لهذا التوسع، أطلقت “سدايا” أطرًا تنظيمية ومبادئ أخلاقية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعين العام والخاص، بما يعكس الدور المحوري الذي أُسند هذه التقنيات ضمن استراتيجية السعودية للاقتصاد ما بعد النفط.
رغم الصورة الإيجابية التي تُقدَّم بها هذه المبادرات، فإنها تخفي تناقضًا واضحًا، يتمثل في أن تطوير ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي بحد ذاتهما عمليتان كثيفتا الاستهلاك للموارد. فانتشار الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة يأتي بثمن بيئي، لا سيما في استهلاك الطاقة والمياه والمواد الخام. تؤدي المتطلبات الحاسوبية المتزايدة إلى ارتفاع استهلاك الطاقة وزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة، خاصة مع توسّع مراكز البيانات التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الكهرباء المنتجة من الوقود الأحفوري. كما تفرض البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضغوطًا متنامية على الموارد المائية للتبريد، وتزيد الطلب على المعادن الحيوية ذات الأثر البيئي الكبير، فضلًا عن احتمال إدخال مخاطر جديدة على النظم البيئية، وعلى رأسها البيئة البحرية. تعقّد هذه العوامل الترويج للذكاء الاصطناعي بوصفه حلًا مستدامًا بطبيعته للتحديات البيئية، وتسلّط الضوء على الحاجة الملحّة إلى مزيد من الشفافية والأطر التنظيمية الصارمة.
في الختام، ورغم الإمكانات الواسعة التي يَعِد بها الذكاء الاصطناعي في تعزيز الرصد البيئي وآليات التحقق، فإن هذه الوعود تبقى مشروطة ومقيدة بتكاليف بيئية وسياسية جسيمة ترافق نشره. فالاستهلاك الهائل للموارد الذي تتطلبه بنيته التحتية يقوّض بشكل مباشر الادعاءات التي تروّج له بوصفه حلاً مستدامًا بطبيعته، ولا سيما في نماذج التبني الواسع التي تقودها الدول، كما هو الحال في السعودية. لا يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة محايدة أو خيّرة بذاتها، بل كتقنية مزدوجة الاستخدام، تتوقف قيمتها البيئية الحقيقية على وجود حوكمة صارمة وشفافة، وتنظيم فعّال، والتزام فعلي بأهداف الاستدامة، لا على الطموح التكنولوجي فقط.

