انتصار قضائي: المحكمة البريطانية تُلزم السعودية بتعويض ناشط حقوقي سعودي بـ3 ملايين جنيه إسترليني


حكمت المحكمة العليا في لندن، الأسبوع الماضي، لصالح الناشط السعودي غانم المصارير الدوسري في دعواه ضد السعودية، بعد أن اتهمها باختراق أجهزته المحمولة باستخدام برنامج التجسس “بيغاسوس”، والوقوف وراء الاعتداء الجسدي الذي تعرّض له عام 2018.

كان الدوسري قد فرّ من السعودية عام 2003 خوفًا من الاضطهاد بسبب نشاطه الحقوقي، ليستقر في المملكة المتحدة، حيث مُنح حق اللجوء السياسي عام 2018.

خلال إقامته في بريطانيا، بنى الدوسري مسيرة إعلامية على منصة يوتيوب، وجعل من قناته مساحة مفتوحة لانتقاد النظام السعودي بشكل علني. من خلال هذه المنصة، مارس حقه الأساسي في حرية التعبير، إلا أن السلطات السعودية معروفة بسعيها المستمر لإسكات الأصوات المعارضة داخل البلاد وخارجها. بسبب حجم الجمهور الذي وصل إليه وتأثير محتواه، أصبح الدوسري هدفًا مباشرًا، إذ كانت مقاطع الفيديو التي ينشرها تحصد ملايين المشاهدات، ما اعتبرته السلطات مساسًا بصورة السعودية وسمعتها على الساحة الدولية.

في عام 2018، اكتشف غانم المصارير أن أجهزته قد تعرّضت للاختراق باستخدام برنامج تجسس متطور، قادر على استخراج جميع البيانات المخزّنة على الهاتف، والوصول إلى الكاميرا والوسائط والميكروفون والبريد الإلكتروني والرسائل النصية، فضلًا عن وظائف أخرى متعددة، ما يتيح مراقبة الضحية بشكل كامل، وكذلك مراقبة كل من يتواصل معهم عبر الجهاز. بعد وقت قصير من هذا الاكتشاف، تعرّض الدوسري لاعتداء جسدي على يد رجلين في غرب لندن. وفقًا لمحاميه، كان الهجوم مرتبطًا بالنظام السعودي، إذ واجهه المهاجمان بسؤال استفزازي عن “من يظن نفسه” حتى يتجرأ على الإساءة إلى العائلة المالكة السعودية. صرّح القاضي في القضية بأن النظام السعودي كان لديه “مصلحة واضحة ودافع مباشر لإسكات انتقادات المصارير العلنية للحكومة السعودية”.

في عام 2022، تقدّمت السعودية باستئناف بحجة تمتعها بالحصانة كدولة بموجب قانون حصانة الدول لعام 1978. بعد رفض هذا الاستئناف، توقفت السعودية عن المشاركة في مجريات القضية، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان المصارير سيحصل يومًا على التعويض المستحق.

بسبب آثار الاختراق والاعتداء الجسدي، أصيب الدوسري باكتئاب حاد، واضطر إلى التوقف عن نشاطه على يوتيوب، إذ أصبح يعاني حتى من مغادرة منزله في بعض الأحيان.

لا تُعتبر قضية الدوسري حالة معزولة. ففي عام 2021 خلص تحقيق إلى أن مئات الأجهزة العائدة لمواطنين بريطانيين قد تعرّضت للاختراق عبر برنامج “بيغاسوس”، من بينهم يحيى عسيري، مؤسس منظمة القسط لحقوق الإنسان ومقرها لندن. في عام 2024، اتهم عسيري السعودية باستخدام برامج تجسس ضده أمام المحكمة العليا في المملكة المتحدة، ولا تزال القضية قيد النظر.

يمثل فوز غانم المصارير الدوسري في قضيته ضد السعودية خطوة مهمة نحو محاسبة النظام على استخدامه غير القانوني لبرامج التجسس لإسكات المنتقدين، في إطار ما يُعرف بالقمع العابر للحدود.

إن الحق في حرية التعبير يجب أن يكون مصانًا، ويجب أن يشعر المدافعون عن حقوق الإنسان بالأمان عند انتقاد انتهاكات حكوماتهم. لا يجوز إساءة استخدام برامج التجسس لإسكات المعارضين. كما ينبغي وضع ضوابط حقوقية صارمة على بيع واستخدام هذه التقنيات لحماية جميع النشطاء.

يجب أن يحصل غانم المصارير الدوسري، إلى جانب جميع ضحايا الجرائم السيبرانية التي ارتكبتها السعودية، على العدالة جراء انتهاك حقهم الأساسي في الخصوصية. فكل المدافعين عن حقوق الإنسان لهم الحق في حرية التعبير، وبالتالي الحق في انتقاد الحكومات علنًا بسبب انتهاكاتها الحقوقية. ولا يجوز سرقة البيانات الشخصية لمراقبة النشطاء وإسكاتهم.