وعود خضراء وعمليات إزالة قسرية: التكلفة البشرية للأجندة البيئية السعودية (1)

تروج المملكة العربية السعودية لمشاريع المبادرة السعودية الخضراء باعتبارها استجابة جريئة لتغير المناخ، مبنية على إعادة التشجير، إعادة تأهيل الأراضي، وحماية التنوع البيولوجي. يُسلط المسؤولون الضوء على ملايين الأشجار التي زُرعت، والهكتارات التي أُعيد تأهيلها، وحملات التوعية العامة. ومع ذلك، وراء وعودهم البيئية حقيقة مُقلقة. للسياسة البيئية السعودية تكاليف هائلة على المجتمعات المحلية، وخاصة القبائل الأصلية والسكان المهمشين الذين تم تهجيرهم باسم الاستدامة.

في المملكة، القيادة المجتمعية أو الحركات الشعبية لا تُوصِل إلى عمل بيئي. فهذه الأعمال مُنَظمة بِشَكل صارم من قِبَل الدولة، مما يحدّ من المشاركة المستقلة. وبالنتيجة، حتى عندما تلحق المشاريع الضرر بمنازلهم وسبل عيشهم، فالأشخاص المتضررين من المشاريع البيئية والتنموية ليس لديهم أي وسيلة حقيقية للاحتجاج أو التفاوض أو المطالبة بالمسؤولية.

أَبرز مثال لهذه الحادِثة هو مشروع “نيوم” الضخم في منطقة تبوك، الذي يتم تسويقه من قبل السلطات على أنه مدينة بيئية متطورة تدعم أهداف المبادرة السعودية الخضراء مثل التنوع البيولوجي واستعادة الأراضي. فبسبب هذا المشروع.  تم تهجير قبيلة حويطات الأصلية قسرًا من أراضيها القديمة في البحر الأحمر منذ عام 2020. وعاقبت السلطات المقاومة السلمية بالاعتقال وأحكام سجن طويلة، إضافةً إلى أحكام بالإعدام بتهم متعلقة بمكافحة الإرهاب، ما حوّل مشروعًا بيئيًا رائدًا إلى رمز للقمع والمحو، وفقًا للمركز الأوروبي لحقوق الإنسان. بحلول عام 2023، أفادت الحكومة السعودية أنها نقلت نحو 6300 فرد من 1442 عائلة. ووفقًا لمنظمات حقوق الإنسان المستقلة، منذ عام 2020، تعرّض حوالي 20 ألف شخص من قبيلة الحويطات للتهديد بالطرد من 13 تجمعًا سكنيًا.

لم تتم عمليات النقل هذه طواعيةً؛ بل استخدمت السلطات الإكراه والاعتقال التعسفي والترهيب والعنف ضد السكان الذين قاوموا. وفي عام 2020، قتلت قوات الأمن عبد الرحيم الحويطي بعد أن عارض عمليات الإخلاء علنًا. كذلك اعتقلت السعودية عشرات المتظاهرين أو حكمت عليهم بالسجن لمدد طويلة بسبب احتجاجهم على فقدان منازلهم. وفي انتهاك صارخ للمعايير المتعلقة بحقوق السكن وحماية السكان الأصليين، قدم المسؤولون تعويضات متفاوتة ودون تشاور جاد.

في مختلف أنحاء البلاد، أدت مشاريع رؤية 2030 المرتبطة بأهداف الاستدامة إلى تغيير المدن من خلال عمليات هدم واسعة النطاق. ففي جدة ، هدمت السلطات أكثر من ستين حيًا سكنياً، مما أدى إلى تشريد أكثر من نصف مليون ساكن. حرمت مجتمعات المهاجرين من التعويض العادل والحماية القانونية، فعانوا بشكل غير متناسب. بالإضافة إلى ذلك، نفذت السلطات بعض عمليات إخلاء دون سابق إنذار، تاركة العائلات بلا مأوى أو سبل انتصاف قانونية.

تُشير مبادرة السعودية الخضراء إلى إنجازاتٍ مثل زراعة أكثر من مئة وسبعة وثلاثين مليون شجرة واستصلاح أكثر من ثلاثمئة وعشرة آلاف هكتار من الأراضي. إلا أن هذه التقارير لم تُشر إلى أي تهجير أو أضرار لحقت بالمجتمعات المحلية. بينما يصوّر المسؤولون عملية النقل على أنها مفيدة ومُعوَّضة بشكل عادل، تُعارِِض منظمات حقوق الإنسان والسكان المتضررين هذه الادعاءات بشدة. فعندما تقيس السلطات التقدم البيئي بالأشجار والأراضي فقط، تقوم بتجاهل التكاليف البشرية.

تعاني المجتمعات الريفية والبدوية والساحلية من موجات حر شديدة، فيضانات، وندرة المياه. بدلًا من تمكين هذه المجتمعات كشركاء في مواجهة تغير المناخ، تقوم الدولة بإقصائها لإفساح المجال أمام مشاريع مرموقة تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية والتقدير العالمي.

إنّ الإجراءات المناخية التي تُكمّم أفواه المجتمعات، تُجرّم المعارضة، وتُهجّر السكان الأصليين لا يُمكن أن تُحقق الاستدامة. يُهدد برنامج السعودية البيئي بأن يُصبح رمزًا للتسويق الأخضر الذي يُخفي عمليات التهجير والقمع وعدم المساواة. من أجل تَحقيق العدالة البيئية والحصول عَلى الاستدامة الحقيقية، يجب احترام حقوق الإنسان وحماية حقوق المجتمعات في البقاء على أراضيها، المشاركة في صنع القرار، والتعبير بحرية.