La Fabrique: التعاون الثقافي الفرنسي السعودي بين الإبداع والرقابة

أطلقت باريس والرياض مؤخرًا مركزًا إبداعيًا جديدًا يُدعى “La Fabrique”. وهي مساحة لـ”تبادل ثقافي دائم من خلال الإبداع المشترك”. تم إنتاج المشروع من خلال شراكة متعددة الثقافات بين فنون الرياض والمعهد الفرنسي، بهدف تعزيز الحوار الفني طويل الأمد. تزعم شركة “La Fabrique” أنها تأسست على القيم الإبداعية المشتركة بين فرنسا والمملكة العربية السعودية.

وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان هذا المشروع بأنه تجسيد لرؤيتهما المشتركة، التي تضع التعاون الثقافي في صميم شراكتهما الاستراتيجية. ويُعد مشروع “La Fabrique” عنصرًا أساسيًا في تحقيق رؤية السعودية 2030، التي تهدف إلى تحويل الرياض إلى مركز ثقافي دولي.

زعم السفير الفرنسي لدى السعودية، باتريك ميزوناف، أن المشروع يجسد “روح فصل ثقافي جديد بين فرنسا والمملكة العربية السعودية… يفتح مساحة تلتقي فيها المخيلات، وتظهر فيها أشكال جديدة، ويصبح الإبداع جسراً بين مجتمعينا”. هذه المبادرة تعكس اعتقادنا بأن الحوار الفني هو أحد أقوى الوسائل لبناء الفهم والثقة والمستقبل المشترك. وهي مثال ملموس على مساهمة فرنسا في تحقيق طموحات رؤية 2030.

يشتهر الفن الفرنسي بانعدام الرقابة فيه. وقد أتت بعضٌ من أروع الأعمال الفنية من فرنسا، وتتنوع بين الواقعية والرومانسية والمعاصرة، الفن الفرنسي واسع النطاق، ولكن القاسم المشترك الأساسي بين أعماله هو روحه التحررية، وهو أمر محظور بشكل أساسي في المملكة. سيقتصر الفنانون الفرنسيون الذين يختارون الإبداع في “La Fabrique” على الإبداع وفقًا للرؤية السعودية للفن، مما يحد من تعبيرهم الفني. باختيار فرنسا للمملكة العربية السعودية لاستضافة هذا المشروع، فإن التبادل الثقافي المتوقع نتيجة لذلك سيصبح بلا جدوى. ترفض المملكة رفضًا قاطعًا القيم الأساسية للثقافة (الحرية، المساواة، الأخوة).

يفشل هذا التعاون الإبداعي في إنتاج تبادل ثقافي متكافئ، حيث تمنع الرقابة السعودية التعبير عن الثقافة الفرنسية، بسبب انتهاكاتها المروعة لحقوق الإنسان. يبدو أن هذا المشروع واجهة لتحقيق مكاسب اقتصادية ونفوذ وطني، متخفياً في صورة تبادل ثقافي إبداعي.

تأتي “La Fabrique” في سياق احتجاز مواطن فرنسي بشكل تعسفي في السعودية لأكثر من عام ونصف. تم اعتقال أمير عبد الفتاح أثناء سفره إلى مكة لأداء فريضة الحج. كان عبد الفتاح قد حصل على تأشيرة إلكترونية قبل السفر، لكنه اكتشف لاحقًا أنه وقع ضحية عملية احتيال على الإنترنت بعد تحقق السلطات من صحة التأشيرة، فتم اعتقاله لعدم وجود تصريح ساري لدخول المملكة. وقد احتُجز عبد الفتاح من دون تواصل مع العالم الخارجي وتعرض للتعذيب، بعد أن اكتشفت السلطات أنه انتقد النظام السعودي علنًا. استمر احتجازه لمدة 11 شهرًا دون توجيه تهم رسمية، حتى جرى عقد محاكمة سرية في مايو 2025 في المحكمة الجنائية المتخصصة، حيث مُنع الجمهور وعائلته ومحاموه من الوصول إلى جلسات المحاكمة. ورفضت المملكة الإفصاح عن تفاصيل المحاكمة أو حالته الصحية.

اختارت فرنسا تجاهل قضية عبد الفتاح وسوء المعاملة الشديد الذي تعرض له على يد المسؤولين السعوديين، وبدلًا من ذلك أطلقت “مشروع التبادل الثقافي الإبداعي” مع المملكة. وهذا يسلط الضوء على تجاهل فرنسا والسعودية لاحترام حقوق الإنسان. وتؤكد الحاجة الملحة على أن تتحرك فرنسا بشكل عاجل للمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن عبد الفتاح.