رغم ما تعلنه السعودية من التزامات بخفض إنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري ضمن رؤية 2030 والتزامها بصافي الصفر لعام 2060، تشير التقييمات المستقلة إلى أن سياساتها الحالية لا تتماشى مع أهداف الحد من الاحترار إلى 1.5°C، مع توقع استمرار ارتفاع الانبعاثات حتى عام 2035 (Climate Action Tracker، 2025). توسيع طاقة النفط والغاز، المشاريع الضخمة المكثفة للطاقة، والبنية التحتية المعتمدة على الهيدروكربونات، كلها مؤشرات على أن الرواية السعودية للانتقال الطاقي تختلف بشكل كبير عن الواقع الميداني للطاقة في المملكة.
الخلفية والسياسات
السعودية أعلنت عن مجموعة من الالتزامات لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما في ذلك هدف خفض الانبعاثات بمقدار 278 مليون طن سنويًا، وتوليد 50% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030 ضمن رؤية 2030. كما أطلقت المبادرة السعودية الخضراء لتحقيق صافي صفر انبعاثات بحلول 2060. ومع ذلك، يبقى الاعتماد على النفط والغاز كبيرًا، سواء للاستخدام المحلي أو لاستقرار الاقتصاد، مما يثير تساؤلات حول جدوى ومصداقية هذه الالتزامات.
شركة أرامكو تظل أكبر مصدر للنفط في العالم، بينما تمثل الطاقة المتجددة نحو 1% فقط من إجمالي الطاقة الوطنية في 2023. على الرغم من الاستثمارات المتزايدة في الطاقة المتجددة، تواصل أرامكو توسيع إنتاج النفط والغاز وتفضل حلولًا تكنولوجية مثل احتجاز الكربون بدلاً من خفض الإنتاج بشكل فعلي. على سبيل المثال، يُسوَّق مشروع الجبورة للغاز الصخري كحل انتقالي لدعم تقليل استخدام النفط المحلي، لكنه في الواقع يمثل توسعًا كبيرًا في إنتاج الغاز غير التقليدي ويعزز الاعتماد على الهيدروكربونات بدلاً من التحول البنيوي بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
المشاريع الضخمة والبنية التحتية
مشاريع مثل NEOM وThe Line وNew Murabba، التي تُسوَّق كمبادرات صديقة للبيئة وذات انبعاثات صفرية، تعتمد أساسًا على عائدات النفط وتمثل استثمارات هائلة من حيث الطاقة والمواد والمياه. حتى محطات تحلية المياه، التي تستهلك حوالي 15% من الإنتاج النفطي المحلي، تساهم بشكل كبير في الانبعاثات، مما يعكس التناقض بين السردية الخضراء والاعتماد البنيوي على الوقود الأحفوري.
إلغاء أو تقليص بعض المشاريع الضخمة مؤخرًا، مثل مشروع المربع الجديد وThe Line، يعكس الضغوط المالية المرتبطة بتقلبات أسعار النفط، ولكنه لا يقلل من الاعتماد على الهيدروكربونات، إذ يتم توجيه الاستثمارات إلى مشاريع أقل تكلفة وأكثر جدوى قصيرة المدى.
دور السعودية في مفاوضات المناخ
في اجتماعات COP28 وCOP30، حاولت السعودية عرقلة أو تخفيف التزامات الحد من استخدام الوقود الأحفوري، مما يعكس الأولوية للاستمرار في إنتاج النفط والغاز على حساب الإجراءات الفعلية للحد من الانبعاثات. الإجراءات تشمل استخدام التأخير والتلاعب بالخيارات المرنة للالتزامات، مما يسمح للمملكة بالاختيار الجزئي للالتزامات دون الالتزام الكامل.
الاستنتاج
تظهر الأدلة أن الاستمرار في توسيع إنتاج النفط والغاز، والاستثمار في مشاريع تعتمد على الوقود الأحفوري، والمواقف التفاوضية في المناخ الدولي، تعكس فجوة هيكلية بين خطاب الانتقال الطاقي والواقع العملي. مشاريع مثل الجبورة، البنية التحتية لتحلية المياه، والمشاريع الضخمة توضح كيف يمكن أن تتعايش الالتزامات المناخية مع سياسات تهدف إلى الحفاظ على العائدات النفطية والنفوذ الجيوسياسي. يبدو أن استراتيجية المملكة لا تهدف بالدرجة الأولى إلى تقليل الانبعاثات بشكل مطلق، بل إلى الحفاظ على نموذجها الاقتصادي القائم على الهيدروكربونات ضمن سردية منخفضة الكربون.
التوصيات
-
تعزيز متطلبات الاستدامة والإفصاح عن الاستثمارات: يجب إخضاع المشاريع الكبرى والتدفقات المالية المرتبطة بالمشاريع السعودية للفحص المستقل لتقييم دورة حياة الانبعاثات واستهلاك المياه واعتماد الوقود الأحفوري قبل تصنيفها أو تمويلها كمشاريع مستدامة.
-
زيادة المساءلة في مفاوضات المناخ الدولية: يجب أن تتضمن مراجعات ما بعد COP تقييمًا رسميًا لكيفية تقدم أو عرقلة الالتزامات المتعلقة بالحد من الوقود الأحفوري، مع الضغط الدبلوماسي المنسق لمعالجة أي محاولات لتخفيف النتائج المناخية.
-
ربط التعاون الطاقي بنتائج ملموسة للانبعاثات: يجب أن يرتبط التعاون المستقبلي في مجالات الطاقة والهيدروجين والبنية التحتية مع السعودية بالإبلاغ الشفاف عن مستويات الإنتاج الفعلية للنفط والغاز وانبعاثات الميثان، بحيث يعتمد استمرار التعاون على تحقيق خفض فعلي وليس على وعود صافي الصفر فقط.
للاطلاع على التحليل الكامل والتوصيات التفصيلية، يمكن تحميل التقرير الكامل:
السعودية وعود خضراء… وواقع نفطي

