الحرب التي سيدفع العالم ثمنها

على الرغم من الحديث المتقطع عن مفاوضات سلام، فإن الصراع الذي يلتهم الشرق الأوسط لا يُظهر أي مؤشرات حقيقية على الحل. فما زالت الصواريخ والطائرات المسيّرة تشقّ طريقها عبر المنطقة بوتيرة مقلقة، كما أن دخول اليمن إلى الحرب قد وسّع ساحة القتال، مضيفًا طبقة جديدة من التعقيد إلى أزمة تبدو مستعصية.

لحظة إطلاق الصواريخ اليمنية باتجاه إسرائيل، دخل الصراع مرحلة جديدة تمامًا، مرحلة تحمل تداعيات خطيرة ليس فقط على أمن المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي وعلى المدنيين العالقين في قلب الحرب.

لطالما هدد اليمن بفرض حصار على مضيق باب المندب، أحد أكثر ممرات الشحن ازدحامًا في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. تمر عبره مليارات الأطنان من البضائع سنويًا، من النفط الخام إلى السلع المصنعة وغيرها. وما إذا كان هذا التهديد سيتحول إلى واقع يبقى غير مؤكد، لكن مجرد التهديد كان كافيًا لزعزعة الأسواق.

أما مضيق هرمز فقد أُغلق بالفعل أمام الملاحة، وكانت العواقب فورية. فقد تراجعت إنتاجية النفط والغاز في الخليج بشكل حاد، وتعرضت البنية التحتية لضربات كبيرة، وأعلنت أعداد متزايدة من الشركات حالة “القوة القاهرة”. وإذا نفذ اليمن تهديده بإغلاق باب المندب، وهو الشريان الرئيسي لصادرات الطاقة إلى معظم العالم الغربي، فإن الوضع المتدهور أصلًا سيتفاقم أكثر. ووفقًا لخبير الاقتصاد في غولدمان ساكس فاروق سوسة، فإن عدم الاستقرار الاقتصادي الحالي قد يؤدي إلى انكماش اقتصادات الخليج بنسبة تتراوح بين 3 و5%. وسيكون الحفاظ على هذه الاقتصادات تحت هذا الضغط أصعب بكثير، وسيتحمل العمال المهاجرون العبء الأكبر، إذ يعملون ضمن نظام الكفالة، بأجور منخفضة ودون حماية قانونية حقيقية حتى في الظروف العادية، وهم اليوم مطالبون بالحفاظ على استمرار الحياة الاقتصادية بينما يختبئ السكان من القصف الصاروخي، دون تعويضات أو أمان أو مخرج.

لقد شهد الشرق الأوسط حروبًا من قبل، لكن نادرًا ما هدد صراع واحد بتفكيك هذا العدد من العناصر في آن واحد: الأمن الإقليمي، إمدادات الطاقة العالمية، وحياة ملايين العمال “غير المرئيين” الذين يقومون بتشغيل اقتصادات لم تُصمم أصلًا لحمايتهم. يمتلك اليمن اليوم نفوذًا كبيرًا على شرايين التجارة العالمية، وهو يدرك ذلك جيدًا. قد تستمر مفاوضات السلام، وقد يجتمع الدبلوماسيون في غرف مكيفة، لكن على الأرض، وفي ممرات الشحن، وفي معسكرات العمال في الخليج، فإن ثمن هذه الحرب يُدفع بالفعل.