على مدى عقود، روّجت حكومات دول الخليج لرواية مفادها أن دولها تُعدّ جزر استقرار في منطقة مضطربة. ومن خلال التنويع الاقتصادي وصياغة توازنات جيوسياسية دقيقة، وضعت دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وقطر والكويت والبحرين نفسها كجهات براغماتية ملتزمة بالاستقرار والازدهار الاقتصادي. وفي ظل التصعيد الإقليمي الحالي، أكدت العديد من هذه الحكومات مجدداً أن أراضيها لن تُستخدم لشن عمليات هجومية، مقدّمة نفسها كجهات محايدة تسعى إلى خفض التصعيد.
لكن الهجمات الأخيرة في مختلف أنحاء المنطقة تكشف تناقضاً عميقاً ظلّ يؤسس لسياسات الأمن في الخليج. فدول الخليج تستضيف بنى تحتية عسكرية أجنبية واسعة ونقاطاً لوجستية استراتيجية مرتبطة بشراكات دفاعية خارجية. وعملياً، يخلق ذلك شكلاً من الحياد الانتقائي: إذ تنأى الحكومات بنفسها سياسياً عن الصراع، بينما تبقى مندمجة هيكلياً فيه. وتتحمل المدنيون بشكل متزايد تبعات هذا الغموض.
تناقض “الحياد” في البنية الأمنية
الهجمات الأخيرة التي استهدفت المطارات ومرافق الطاقة والبنية التحتية الاستراتيجية في أنحاء الخليج قوّضت التصور السائد منذ فترة طويلة بأن هذه الدول محصنة من العنف الإقليمي. ففي الإمارات والبحرين وعُمان والكويت، أسفرت هجمات حديثة عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين، إضافة إلى حالة من الذعر الواسع بين السكان. وتُظهر الحوادث التي استهدفت مرافق مرتبطة بالنقل والطاقة مدى سرعة تلاشي الحدود بين المساحات المدنية والاستراتيجية خلال فترات التصعيد.
ورغم الخطاب الرسمي العلني، تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير على الحماية الأمنية الأمريكية، حيث تستضيف قواعد عسكرية أمريكية كبرى وتشتري بمليارات الدولارات من أنظمة الدفاع الأمريكية. وعندما تعمل قواعد عسكرية أجنبية وأصول استراتيجية أخرى على أراضي دولة ما، تصبح الدولة المضيفة جزءاً من بيئة الصراع. وتُحدّي هذه التطورات فكرة أن الحياد المُعلن ذاتياً يمكن أن يعزل المجتمعات عن الصراع، إذ إن الحياد لا يمكن أن يكون مجرد تصريح دبلوماسي، بل هو شرط بنيوي يجب أن تسعى الحكومات لتحقيقه بشكل فعلي.
يطرح هذا التناقض أسئلة مهمة حول من يتحمل في النهاية الكلفة. فالغموض الاستراتيجي ينقل مخاطر سياسات الأمن الحكومية إلى السكان المدنيين، وخاصة العمال المهاجرين وذوي الدخل المنخفض الذين غالباً ما يعيشون بالقرب من المناطق الصناعية والمرافق اللوجستية التي تضم المستودعات والمصافي ومراكز النقل. وهذا يعرضهم لمستوى غير متناسب من الخطر دون حماية مقابلة، إذ إن هذه الفئات عادة ما تكون ذات تمثيل سياسي محدود في دول الخليج، ولديها فرص ضئيلة للانتصاف عند انتهاك حقوقها.
إن استهداف البنية التحتية القريبة من المدنيين يزعزع الاعتقاد بأن الازدهار وحده يمكن أن يعزل الدول عن تبعات تموضعها الجيوسياسي. كما أن التوقيت الرمزي للتصعيد الذي بدأ خلال شهر رمضان زاد من الشعور بالهشاشة لدى السكان الذين طالما وثقوا بأن حكوماتهم قادرة على حمايتهم من الاضطرابات الإقليمية.
وفي جوهر القضية، يتعلق الأمر بحماية المدنيين. إذ تقع على عاتق الحكومات مسؤولية تقليل تعرّض المدنيين للخطر وضمان أن تكون التدابير الوقائية شاملة لجميع السكان، بما في ذلك المجتمعات الأكثر عرضة للخطر.
إذا كانت دول الخليج ملتزمة فعلًا بحماية مدنييها، فإن الحياد يجب أن يتجاوز الخطاب. فهو يتطلب شفافية بشأن الشراكات الأمنية، وضمانات واضحة لحماية المدنيين، ومساءلة عامة عن القرارات التي قد تعرض السكان للخطر. وإلا فإن الحياد قد يتحول إلى مجرد أداة تسويقية لحماية سمعة الحكومات.

