مقدمة
تشن البحرين منذ مايو/أيار 2026 أعنف حملة تضييق وترهيب ضد مواطنيها الشيعة تجلّى عبر حملة مداهمات، إقصاءات، إسقاط جنسية واعتقالات جماعية لعشرات من الخطباء والرواديد والنشطاء ورجال الدين حيث وصل عدد رجال الدين المعتقلين إلى 53، وذلك في ظل سياق سياسي وإقليمي شديد التوتر مرتبط بالحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران. وقد أثارت هذه الإجراءات موجة واسعة من الإدانات الحقوقية والسياسية، وسط اتهامات للسلطات البحرينية بتوظيف قوانين مكافحة الإرهاب والخطاب الأمني لتبرير استهداف حرية التعبير والمعتقد والتجمع السلمي، وهو ما يمثل امتدادًا لسياسات التضييق التي تصاعدت منذ احتجاجات عام 2011، لكن بوتيرة أكثر حدة واتساعًا.
ومع بداية الحرب على إيران و استهداف واغتيال المرجع الشيعي السيد علي خامنئي، خرج المواطنون للاحتجاج والتعبير عن حزنهم وغضبهم في تجمعات وعبر منشورات على وسائل التواصل، في المقابل واجهت السلطات البحرينية مواطنيها بحملة قمع أمنية غير مسبوقة وغير مبررة، تشمل إسقاط الجنسيات، وتقييد الحريات الدينية والسياسية، وإغلاق الجمعيات المعارضة، وملاحقة رجال الدين والخطباء والنشطاء، والاعتقالات التعسفية التي طالت الجميع من ضمنهم النساء والأطفال وإصدار أحكام جائرة بحقهم. هذه الحملة الحالية جاءت مستفيدة من المناخ الإقليمي المشحون لتقديم المعارضين والرموز الدينية الشيعية باعتبارهم تهديدًا أمنيًا أو امتدادًا لنفوذ خارجي، من دون تقديم السلطات أي دلائل قانونية واضحة متجاوزة بذلك تعهداتها والتزاماتها القانونية المتعلقة بضمان حرية المواطنين بالتعبير عن آرائهم و معتقداتهم.
حملة الاعتقالات
في التاسع من مايو/أيار 2026، شنت السلطات البحرينية حملة أمنية واسعة وغير مسبوقة استهدفت المكوّن الشيعي، عبر مداهمات ليلية طالت منازل رجال دين وخطباء وشخصيات دينية واجتماعية في مختلف المناطق. ونفذت قوات أمنية، بعضها بلباس مدني، عمليات اقتحام عنيفة للمنازل، رافقها تفتيش للمنازل والمؤسسات الدينية والخيرية، ومصادرة كتب وأجهزة إلكترونية وهواتف ووثائق شخصية.
تمت الاعتقالات من دون إبراز أوامر قضائية، مُنع بعضهم من التواصل مع عائلاتهم أو مقابلة محامين لساعات أو أيام بعد توقيفهم. كما تعرض عدد من المعتقلين للإهانة اللفظية والتحقير أثناء المداهمات والتحقيقات.
وفي أعقاب هذه الحملة، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية القبض على ما وصفته بـ”تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني”، مشيرة إلى توقيف جماعي لـ41 رجل دين شيعي على خلفية “التعاطف مع الهجمات الإيرانية” و”التواصل مع جهات خارجية” ونشرت صورا لهم عبر منصات التواصل. إلا أن الاعتقالات توسعت لاحقًا بصورة متسارعة لتشمل عشرات رجال الدين وأئمة المساجد والشخصيات الدينية والاجتماعية الشيعية، ليرتفع عدد المعتقلين إلى ثلاثة وخمسين رجل دين.
ومن أبرز الذين طالتهم الاعتقالات الشيخ محمد صنقور، والشيخ علي الصددي، والسيد مجيد المشعل، والشيخ محمود العالي، والشيخ رائد الستري، إلى جانب أسماء أخرى من رجال الدين والخطباء والناشطين المرتبطين بالمؤسسات الدينية والاجتماعية داخل البيئة الشيعية البحرينية. كما تم تأكيد نبأ ترحيل ثلاثة من رجال الدين البارزين في البحرين وهم العلامة الشيخ ابراهيم الانصاري والسيد محمد الهاشمي والشيخ أحمد أمرالله خلال اسبوع.
حملة الاعتقالات المستمرة، أثارت موجة واسعة من التنديد داخل البحرين وخارجها، حيث شهدت عدة قرى ومناطق احتجاجات ووقفات تضامنية، بالتزامن مع حملات إلكترونية وشعبية طالبت بالإفراج عن المعتقلين. كما صدرت بيانات استنكار من علماء دين وجهات سياسية وحقوقية اعتبرت الاتهامات الموجهة للمعتقلين “ملفقة” وتستهدف النشاط الديني والشعائري، محذّرة من أن هذه الإجراءات تنتهك مبادئ حقوق الإنسان والمعايير الدولية، وتهدد بتعميق الانقسام المجتمعي وإثارة التوتر الداخلي.
نمط متكرر من الاستهداف
هذه التطورات أثارت موجة واسعة من التنديد الحقوقي، ليس فقط بسبب العدد المرتفع للمعتقلين وطبيعة الشخصيات المستهدفة، بل أيضًا بسبب الانتهاكات التي رافقت عمليات الاعتقال والتحقيق والمحاكمة. وتشير المعطيات التي تلقتها منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB) إلى تكرار أنماط موثقة سابقًا في قضايا “الأمن الوطني” و”الإرهاب”، بما في ذلك الإخفاء القسري، والاحتجاز الانفرادي، والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية.
ومن أبرز المخاوف التي أثيرت، اختفاء عدد من رجال الدين المعتقلين لساعات أو أيام بعد توقيفهم، دون إبلاغ عائلاتهم بمكان احتجازهم أو الجهة التي تتولى التحقيق معهم، فيما لم تحصل بعض العائلات على أي معلومات عن مصير أبنائها إلا بعد اتصالات مقتضبة سُمح بها لاحقًا. كما وثقت المنظمة شهادات تفيد بإخضاع عدد من المعتقلين للحبس الانفرادي خلال المراحل الأولى من التحقيق، في ظروف يخشى استخدامها كوسيلة ضغط نفسي وانتزاع اعترافات تحت الإكراه.
كذلك برزت انتهاكات تتعلق بالحق في الدفاع القانوني، إذ أفادت شهادات عائلات ومحامين بأن بعض المعتقلين خضعوا للتحقيق أمام نيابة الجرائم الإرهابية دون حضور محامٍ، أو بعد تأخير طويل في السماح لهم بالاستعانة بمحامين. كما تحدثت إفادات عن تبليغ المحامين بمواعيد التحقيق في وقت متأخر، بما حال عمليًا دون حضورهم أو منح المعتقلين فرصة كافية للتشاور معهم.
تهمة “الإرهاب” والقوانين الفضفاضة
استندت السلطات البحرينية في حملة الاعتقالات الأخيرة إلى قانون حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية، ولا سيما القانون رقم 58 لسنة 2006 بصيغته المعدلة عام 2019، باعتباره الإطار القانوني الذي يمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة في مواجهة ما تصفه الدولة بـ”التهديدات الإرهابية” أو “الارتباطات الخارجية”. وبررت الحكومة هذه الإجراءات بأنها تأتي في سياق حماية الأمن الوطني والتصدي لما اعتبرته “تغلغلاً إيرانياً” داخل المؤسسات الدينية والاجتماعية، متهمة عددًا من المعتقلين بالترويج لثقافة الولاء لجهات خارجية، والارتباط بالحرس الثوري الإيراني، واستغلال المنابر الدينية للتحريض السياسي، وجمع الأموال بصورة غير قانونية، وتهديد الأمن والاستقرار الداخلي. كما اعتبرت وزارة الداخلية أن بعض الأنشطة الدينية والخطابية تجاوزت “الإطار الديني” نحو “التسييس” و”خدمة أجندات خارجية”.
غير أن هذا القانون تعرض خلال السنوات الماضية لانتقادات متكررة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية بسبب اتساع تعريف “الإرهاب” وغموض عدد من مواده، بما يسمح بتفسيرها بصورة فضفاضة قد تشمل المعارضة السلمية أو النشاط الديني والفكري المستقل. إذ أشارت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة إلى أن تعريف الإرهاب الوارد في القانون البحريني، خصوصًا بعد تعديلات عام 2019، يتسم بالغموض والاتساع، الأمر الذي قد يؤدي إلى استخدام التشريع خارج نطاق مكافحة الإرهاب الفعلي، وتحويله إلى أداة قانونية لاستهداف المنتقدين والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وفي هذا الشأن، تؤكد منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB) أن السلطات البحرينية لم تقدم أدلة علنية وموثقة تثبت الاتهامات الموجهة إلى رجال الدين والمعتقلين، وأن الاتهامات جاءت بصيغ فضفاضة تُستخدم عادة لتجريم المعارضة السلمية أو النشاط الفكري والديني. كما تشدد المنظمة على أن الانتماء الفكري أو الديني، لا يشكل بحد ذاته جريمة وفق القانون الدولي، وأن حرية المعتقد والرأي والتعبير مكفولة بموجب الدستور البحريني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتؤكد أن الإشكالية لا تكمن فقط في طريقة تطبيق القانون، بل أيضًا في طبيعة النصوص القانونية نفسها، إذ تسمح الصياغات الفضفاضة لمفاهيم مثل “الإضرار بالأمن الوطني” و”التواصل مع جهات خارجية” و”التحريض” بتأويلات واسعة قد تشمل النشاط السياسي السلمي أو الخطاب الديني أو حتى التعبير عن الرأي.
حرب على الحريات
تحظر المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أي تمييز على أساس الدين أو الرأي أو الانتماء السياسي. كما تؤكد آليات الأمم المتحدة أن قوانين مكافحة الإرهاب لا يجوز استخدامها لتجريم الممارسة الدينية أو المعارضة السلمية. لكن في البحرين، تشير المعطيات الحقوقية إلى نمط ممنهج من التمييز والاستهداف ضد المواطنين الشيعة تحت عناوين “الأمن القومي” و”مكافحة الإرهاب”، عبر خطاب رسمي يتهمهم بالولاء للخارج أو “الأجندات الخارجية”.
وخلال خمسة عشر عامًا، وثقت منظمات حقوقية اعتقال نحو 20 ألف شيعي، رفعت ADHRB عشرات الشكاوى عن المئات منهم إلى عدد من مكاتب خبراء الأمم المتحدة ضمن مختلف الآليات المعتمدة و حصلت على مواقف تدين وتطالب بالإفراج الفوري عنهم، و هو ما حصل في بعض الحالات القليلة. كما تابعت السلطات في اضطهادها وقامت خلال هذه الأعوام بإسقاط أكثر من ألف جنسية، واعتقال نحو 150 رجل دين، وهدم 37 مسجدًا، وتوثيق أكثر من 1500 انتهاك مرتبط بالشعائر الدينية، إضافة إلى إغلاق جمعيات دينية وسياسية، والتمييز في التوظيف داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية.
ومؤخرًا، أثارت تصريحات رسمية، بينها حديث وزير الداخلية عن “تنظيف البحرين”، مخاوف جدية من خطاب تحريضي وإقصائي يتعارض مع المواثيق والمعاهدات الدولية. وتزداد هذه المخاوف مع اقتراب محرم وعاشوراء، في ظل سجل موثق من التضييق على الشعائر الدينية الشيعية.
وبناء عليه، تدين المنظمة ممارسات السلطات البحرينية و بالتحديد وزارة الداخلية وما تقوم به حاليًا من قمع وترهيب وانتهاكات ممنهجة للمواطنين الشيعة، وتعتبر أنه يرتبط بسياق أوسع من التضييق على الحريات العامة في البحرين، كل ذلك جاء ليكشف أخيرا زيف وكذب الادعاءات الرسمية في السنوات القليلة الماضية أمام المحافل الدولية و الحقوقية بالقيام بإصلاحات حقوقية واسعة و تبييض السجون و توسيع هامش الحريات واحترام حقوق الإنسان وحرية المعتقدات والأديان . في المقابل تعود البحرين لحقبة ما مارسته ضد مواطنيها في السنوات الخمسة عشر الماضية من إسقاط جنسيات جماعية، وتقييد الشعائر والأنشطة الدينية، وملاحقة خطباء المنابر، والتضييق على الجمعيات الدينية والخيرية، إضافة إلى حملات إعلامية تتهم المعارضين بعدم الولاء. وترى المنظمة أن استهداف رجال الدين تحديدًا يحمل بعدًا رمزيًا بالغ الخطورة، لأن هؤلاء يشكلون مرجعيات اجتماعية ودينية مؤثرة داخل المجتمع الشيعي البحريني.
التوصيات
- دعوة المجتمع الدولي وآليات الأمم المتحدة، ولا سيما المقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين والمعتقد، والاعتقال التعسفي، ومناهضة التعذيب، إلى التدخل العاجل والضغط على السلطات البحرينية للإفراج عن المعتقلين وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية، ومراقبة أوضاع الاحتجاز والتحقيق بصورة مستقلة وشفافة.
- نطالب وزارة الداخلية البحرينية بوقف سياسات الاستهداف والتمييز على أساس الانتماء الديني أو الفكري، بما يضمن احترام مبدأ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليه في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
- ضمان حق جميع المعتقلين في الوصول الفوري وغير المقيّد إلى محامين يختارونهم بأنفسهم، وتمكينهم من التواصل المنتظم مع عائلاتهم، مع توفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة، بما يشمل حظر الاحتجاز الانفرادي المطوّل ومنع أي شكل من أشكال التعذيب أو الإكراه أو انتزاع الاعترافات تحت الضغط.
- التزام السلطات البحرينية الكامل بواجباتها القانونية بصفتها دولة طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بما يشمل حماية جميع المحتجزين من التعذيب وسوء المعاملة وضمان سلامتهم منذ لحظة الاعتقال وخلال جميع مراحل الاحتجاز والتحقيق والمحاكمة.
- مراجعة تطبيق المادة السابعة والعشرين من القانون رقم 58 لسنة 2006 بشأن حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية، وضمان عدم استخدام الصلاحيات المتعلقة بتمديد الاحتجاز بصورة توسعية تؤدي إلى إضعاف الضمانات القانونية أو تعريض المحتجزين لخطر الانتهاكات.
- إنهاء القيود المفروضة على الممارسة السلمية لحرية الفكر والرأي والتعبير عن المعتقد، بما ينسجم مع التزامات البحرين الدولية، وضمان حماية حرية الخطاب الديني والنشاط الفكري والسياسي السلمي، ووقف ملاحقة رجال الدين والخطباء والنشطاء بسبب آرائهم أو انتماءاتهم الفكرية أو الدينية.
تثير منظمة ADHRB قلقًا بالغًا إزاء حملة الاعتقالات الأخيرة في البحرين وما رافقها من قيود وإجراءات تمسّ الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي، ولا سيما حرية الدين والمعتقد وحرية التعبير والتجمع السلمي، خاصة مع اقتراب موسم عاشوراء وشعائر شهر محرم. وترى المنظمة أن استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والتشريعات الأمنية بصيغها الفضفاضة ضد رجال الدين والخطباء ورؤساء المآتم يثير مخاوف جدية بشأن توظيف هذه القوانين لتقييد الممارسات والشعائر الدينية السلمية.
وتؤكد ADHRB أن هذه الممارسات تتعارض مع الالتزامات الدولية المترتبة على البحرين بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، فضلًا عن التوصيات الصادرة عن المقررين الخاصين للأمم المتحدة المعنيين بحرية الدين أو المعتقد، والاعتقال التعسفي، وحرية الرأي والتعبير، والتي دعت مرارًا إلى وقف استهداف الممارسات الدينية والشعائر المرتبطة بموسم عاشوراء، وضمان عدم استخدام التشريعات الأمنية لتجريم النشاط الديني السلمي أو تقييد الحريات الأساسية تحت ذرائع الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب.

