تصاعد الانتهاكات ضد الشعائر العاشورائية في البحرين: استمرار لسياسة التضييق على حرية الدين والمعتقد

يشهد موسم عاشوراء لعام 2026 تصعيدًا خطيرًا في القيود والانتهاكات التي تستهدف الشعائر الدينية للطائفة الشيعية في البحرين، في امتداد لسياسات تقييدية رافقت المواسم السابقة، واتسمت بالتدخل الأمني والإداري في ممارسة الشعائر وإظهار الهوية الدينية والثقافية. وخلافًا لما تصفه السلطات بإجراءات تنظيمية، اتخذت التدابير المفروضة هذا العام طابعًا أكثر تشددًا، شمل فرض قيود على المجالس والمواكب والخطاب الديني، ومنع عدد كبير من الخطباء والمنشدين الحسينيين من المشاركة في الموسم، وإزالة المظاهر العاشورائية، فضلًا عن الاستدعاءات والاحتجاز والاعتقالات واستخدام القوة ضد المواطنين الذين اعترضوا على استهداف شعائرهم.

يعكس هذا التصعيد استمرار المقاربة الأمنية في التعامل مع مناسبة دينية تمثّل جزءًا أصيلًا من الحياة الدينية والاجتماعية في البحرين، في ظل تحذيرات حقوقية من اتساع نطاق الانتهاكات المتعلقة بحرية الدين والمعتقد وحرية التعبير والتجمع السلمي. وتشير المتابعة الحقوقية إلى وجود نمط متكرر في تعامل السلطات البحرينية مع الشعائر الدينية للطائفة الشيعية، يقوم على استغلال الأزمات والظروف الاستثنائية لفرض مزيد من القيود على التجمعات والممارسات الدينية تحت ذرائع أمنية أو تنظيمية.

قرارات رسمية توسع السيطرة الأمنية على الشعائر الدينية

قبيل حلول شهر محرم، استدعت وزارة الداخلية والإدارة العامة للأوقاف الجعفرية، التابعة مباشرة للحكومة، رؤساء المآتم والحسينيات والقائمين على المجالس الحسينية وأبلغتهم بسلسلة من الضوابط والتعليمات المشددة. شملت هذه الإجراءات تحديد ساعات انتهاء مواكب ومجالس العزاء العاشورائية، ومنع استمرارها بعد منتصف الليل، قبل السماح بتمديد بعض مواكب العاصمة حتى الثانية فجرًا، وحصر المواكب ضمن المآتم المعتمدة ومنع خروج مواكب تنطلق من المساجد أو من خارج الإطار الذي تحدده السلطات. كما فرضت قيودًا على رفع الرايات واللافتات، وحصرت تركيبها في محيط المآتم، مع إلزام القائمين عليها بوضع اسم المأتم على كل لافتة وتحميلهم المسؤولية القانونية عن أي عبارات تعتبرها السلطات ذات طابع سياسي.

وشملت القيود أيضًا تشديد الرقابة على مضامين الخطب الحسينية والشعارات المرفوعة، والتحذير من تناول موضوعات تعتبرها السلطات “تسييساً لعاشوراء”، إضافة إلى منع عشرات الخطباء والرواديد الحسينيين من المشاركة في المجالس والفعاليات الدينية دون وجود قرارات مكتوبة أو مبررات قانونية معلنة. كما استمرت الضغوط والاستدعاءات الأمنية بحق رؤساء المآتم، وجرى التهديد باتخاذ إجراءات وعقوبات جماعية بحق بعض المناطق والقرى في حال مخالفة التعليمات الرسمية. وامتدت القيود إلى استمرار منع سفر مواطنين بحرينيين إلى العراق وإيران، بما يؤثر على ممارستهم للشعائر الدينية وزيارتهم للأماكن المقدسة هناك.

بداية محرم: من القيود الإدارية إلى التنفيذ الميداني

مع قرب دخول شهر محرم، انتقلت القيود من مستوى التعليمات إلى التنفيذ الفعلي. إذ تم منع عشرات الخطباء والمنشدين الحسينيين من إحياء المجالس أو المشاركة في الأنشطة العاشورائية، دون صدور قرارات قانونية أو قضائية تبرر ذلك. وفي خطوة أخرى، أعلنت السلطات توقيف مواطنين بسبب بيع قمصان تحمل عبارات مرتبطة بالإمام الحسين (ع)، من بينها “هيهات منا الذلة” و”مثلي لا يبايع مثله” و”لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل”، كما صادرت المطبعة المستخدمة في إنتاج الملابس وتحفظت على الأجهزة الإلكترونية المرتبطة بها.

كما شهدت الأيام الأولى من محرم إزالة السواد واللافتات والرايات والأعلام والمجسمات العاشورائية من عدد من المناطق، واستمرت الاستدعاءات الأمنية والرقابة المباشرة على مختلف جوانب إحياء الشعائر، وسط تهديدات بمحاسبة الأهالي ورؤساء المآتم في حال مخالفة التعليمات المفروضة.

استخدام القوة ضد المواطنين المعترضين على استهداف الشعائر

ومنذ بدء الموسم، شهدت مناطق متعددة في البحرين تصعيدًا أمنيًا غير مبرر تمثّل في لجوء السلطات إلى استخدام القوة لتفريق المواطنين الذين تجمعوا اعتراضًا على إزالة المظاهر العاشورائية. فقد نفذت قوات الأمن عمليات لإزالة الرايات والسواد واللافتات المرتبطة بإحياء عاشوراء، من يافطات ورايات من مناطق عدة وبشكل متكرر ومنها في أبوصيبع، ابو قوة، كرباباد، النويدات، العكر، البلاد القديم، وبني جمرة، الأمر الذي أدى إلى احتجاجات شعبية قابلتها السلطات باستخدام القنابل الصوتية والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي داخل مناطق سكنية في ابوصيبع وأبو قوة، برغم ما أظهرته المقاطع المصورة من الطبيعة السلمية للاعتراضات.

وأدى استخدام القوة إلى إصابة عدد من المواطنين واعتقال عدد من الشباب، وترافقت هذه الإجراءات مع انتشار أمني واسع، وملاحقة المشاركين في الاحتجاجات، في مشهد عكس استمرار اعتماد الخيار الأمني في التعامل مع الاعتراضات المرتبطة بالشعائر الدينية.

ويثير اللجوء إلى القوة لتفريق تجمعات سلمية تشكلت احتجاجًا على إزالة الرموز والمظاهر الدينية مخاوف جدية بشأن التناسب والضرورة في استخدام القوة، خصوصًا في ظل استخدام القنابل الصوتية والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي في أحياء سكنية وفي ساعات الفجر الأولى، بما يعرض سلامة السكان للخطر.

الاعتقالات والاحتجاز على خلفية أنشطة مرتبطة بالشعائر

ترافقت القيود المفروضة على موسم عاشوراء مع موجة من الاعتقالات والاحتجازات المرتبطة بأنشطة دينية وشعائرية، بما عكس اتجاهًا نحو تجريم مظاهر التعبير الديني المرتبطة بإحياء ذكرى الإمام الحسين (ع). بدأت الانتهاكات المرتبطة بموسم عاشوراء خلال الفترة التحضيرية لاستقبال شهر محرم، حيث استدعت السلطات رئيس موكب العزاء ومأتم أنصار العدالة في الدراز سلمان زاير علي للمثول أمام مركز شرطة البديع، واحتجزته لعدة ساعات على خلفية لافتات عاشورائية اعتبرتها السلطات مخالفة، قبل الإفراج عنه. كما اعتقلت ثلاثة مواطنين على خلفية بيع ملابس تحمل شعارات وصور مرتبطة بالمناسبة الدينية، وأعلنت ضبط المطبعة المستخدمة والتحفظ على عدد من الأجهزة الإلكترونية، فيما أفرج لاحقاً عن الأب، بينما لا يزال أبنائه الاثنين موقوفين.

كما اعتقلت الأجهزة الأمنية المواطن جلال أحمد خلف من أحد المضائف الحسينية في قرية سار على خلفية رفع راية كتب عليها «يا حسين»، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقاً. كما شهدت منطقتا أبو صيبع وأبو قوة حملة أمنية متكررة رافقت إزالة المظاهر العاشورائية، أسفرت عن اعتقال الفتى القاصر نصر الله شاكر الموالي (14 عاماً) من أهالي المقشع، والشاب محمد راشد عبد النبي (18 عاماً) من أهالي أبو قوة، إضافة إلى عدد آخر من الشبان.

وضمن سياسة فرض مزيد من القيود على ممارسة الشعائر الدينية، اعتقلت رئيس لجنة العزاء في مدينة حمد علي الغيض، ورئيس مأتم المرخ محمد يوسف، كما أعادت اعتقال رئيس موكب العزاء ومأتم أنصار العدالة في الدراز سلمان زاير علي، واعتقلت رئيس مأتم السنابس الحاج حسن أحمد جمعة قبل أن تفرج عنه لاحقًا، والرادود الحسيني عبد المنعم مرزوق من منطقة السنابس، ورئيس مأتم النور في الدراز محمد زين الدين. كذلك منعت الرادود السيد علوي أبو غايب من المشاركة في الاحياء العاشورائي حتى إشعار آخر. ووفق المعلومات الأولية المتوفرة، فقد وصل عدد المعتقلين إلى ما يقارب العشرة أشخاص.

مخالفة الالتزامات الدستورية والدولية واستمرار نمط التمييز الديني

تشير الوقائع التي شهدها موسم عاشوراء 2026 إلى استمرار نمط متكرر من التضييق على الشعائر العاشورائية في البحرين، حيث دأبت السلطات خلال السنوات الماضية على استدعاء رؤساء المآتم والخطباء، وفرض قيود على المواكب والمجالس، وإزالة المظاهر الدينية، وملاحقة المشاركين في إحياء المناسبة. ويعكس تصعيد هذا العام توجهًا متزايدًا نحو إخضاع الشعائر الدينية للرقابة الأمنية وتقليص حضورها في الفضاء العام وتقييد الخطاب الديني وتقويض استقلالية المؤسسات الدينية الشيعية وحرمان المواطنين من ممارسة حقهم في حرية العبادة. وتتعارض هذه الإجراءات مع المادة (22) من دستور البحرين التي تكفل حرية إقامة الشعائر الدينية، كما تخالف المواد (9) و(18) و(19) و(21) و(26) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى تعليق اللجنة المعنية بحقوق الإنسان رقم (22)، الذي يؤكد أن حرية الدين تشمل الشعائر الجماعية والرموز والممارسات الدينية. كما تثير هذه السياسات مخاوف بشأن التمييز على أساس الدين والمذهب، في ظل استمرار فرض قيود تستهدف بصورة رئيسة المظاهر الدينية للطائفة الشيعية، بما يتعارض مع مبدأ المساواة وعدم التمييز الذي تلتزم به البحرين بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

توصيات 

في ظل استمرار موسم عاشوراء وما ترافقه من انتهاكات متصاعدة، تدعو منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين السلطات البحرينية وفي مقدمتها وزارة الداخلية لوقف فوري لجميع أشكال الاضطهاد والتضييق على الشعائر الدينية، والإفراج الفوري الغير مشروط عن المعتقلين والمحتجزين على خلفية حق  ممارستهم السلمية لشعائرهم أو اعتراضهم على استهدافها، وإنهاء الاستدعاءات والملاحقات الغير قانونية بحق الخطباء والرواديد والقائمين على المآتم، والامتناع عن إزالة المظاهر والرموز العاشورائية أو استخدام القوة ضد المواطنين، بما يضمن احترام حرية الدين والمعتقد وحرية التعبير والتجمع السلمي، والوفاء بالالتزامات الدستورية والدولية التي تعهدت بها البحرين أمام المحافل الدولية والحقوقية في مجال حقوق الإنسان.