دخلت المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط مرحلة من عدم الاستقرار العميق عقب حملة عسكرية منسقة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية. فالضربات الأولى، التي هدفت إلى إضعاف القدرات الاستراتيجية لطهران، أسهمت بدلًا من ذلك في توسيع رقعة المواجهة لتشمل الخليج العربي بأسره. وبالنسبة لدول الخليج، تحولت استضافة القواعد العسكرية الأمريكية في لحظة واحدة من عنصر يعزز أمنها إلى مصدر تهديد مباشر، بعدما حولت استراتيجية «الدفاع الفسيفسائي اللامركزي» التي تتبناها إيران المنطقة بأكملها إلى ساحة مواجهة.
ورغم أشهر من التوترات المتصاعدة، سواء بين إيران والغرب أو في ظل الانقسامات التي تشهدها الساحة الدبلوماسية الخليجية، كشفت التطورات الأخيرة عن ثغرة جوهرية في منظومة الدفاع الإقليمي. فعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي أكدت الجاهزية العسكرية، فإن نجاح الهجمات الأخيرة في استهداف البنية التحتية الحيوية يعكس وجود فجوة واضحة في قدرة دول الخليج على التصدي للهجمات غير المتكافئة واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، تمكنت موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة من اختراق العمق الاقتصادي لهذه الدول، مستهدفة منشآت الطاقة الحيوية، بما في ذلك مصافي النفط ومنشآت معالجة الغاز الطبيعي. وتشير التقارير الأخيرة إلى وقوع اضطرابات كبيرة في عدد من أبرز المنشآت الصناعية في المنطقة، من بينها مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة أرامكو السعودية، ومصفاة ميناء الأحمدي في الكويت. كما سُجلت هجمات مماثلة استهدفت مصفاة BAPCO للطاقة في البحرين، ومنشآت استخراج الغاز ضمن مجمع رأس لفان في قطر.
وأدت هذه الهجمات إلى تعطيل كبير في عمليات إنتاج النفط والغاز وتخزينهما ونقلهما. وكان التأثير الأبرز في المملكة العربية السعودية، حيث لحقت أضرار جسيمة بمنشآت أرامكو، ما أثر في سلسلة الإمدادات داخل الدولة التي تُعد أكبر مصدر للنفط في العالم وإحدى الركائز الأساسية لسوق الطاقة العالمية. كذلك، أدى الضرر الذي لحق بمجمع رأس لفان إلى اضطرار شركة قطر للطاقة إلى وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به، الأمر الذي تسبب في ارتفاع حاد في أسعار الغاز العالمية.
وفي حين تؤكد هذه التطورات استمرار اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري وما يوفره من نفوذ جيوسياسي، فإنها تفرض في الوقت ذاته ضرورة إجراء تقييم جاد للتداعيات البيئية الناجمة عنها. فقد أسفرت الهجمات التي استهدفت منشآت النفط والغاز عن انبعاثات كبيرة إلى الغلاف الجوي، فضلًا عن أضرار بيئية واسعة على المستوى المحلي. ومع امتداد العمليات العسكرية إلى الممرات البحرية، أدى استهداف محطات تصدير النفط وناقلات النفط التي حاولت العبور عبر مضيق هرمز إلى تسرب كميات كبيرة من النفط الخام.
ومع ذلك، يبدو أن حكومات الخليج باتت أكثر انشغالًا بالحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي من اهتمامها بالمخاطر البيئية والإنسانية المباشرة التي أفرزتها خياراتها الاستراتيجية. وتمثل هذه الأزمة إدانة واضحة لكبار منتجي الهيدروكربونات، وقادة دول الخليج، والاقتصادات الغربية على حد سواء. فهي تكشف مفارقة خطيرة تتمثل في أن الموارد التي منحت هذه الدول نفوذًا عالميًا واسعًا أصبحت في الوقت نفسه أكبر مواطن ضعفها، بما يؤكد أن نموذجًا أمنيًا يقوم على هيمنة الوقود الأحفوري والوجود العسكري الأجنبي لا يوفر حماية حقيقية عندما تنتقل خطوط المواجهة إلى قلب منظومة إنتاج الطاقة.

