طوال السنوات الماضية، اعتمدت السلطات البحرينية بصورة متزايدة على المراقبة الرقمية وبرامج التجسس كأداة لاستهداف المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، سواء داخل البحرين أو خارجها. وقد ارتبطت هذه الممارسات بحملات اعتقال ومحاكمات وأحكام تعسفية طالت عشرات المواطنين، فيما بقيت فرص مساءلة المسؤولين عنها شبه معدومة، في ظل غياب سبل الانتصاف الفعالة داخل البلاد.
لكن هذا الواقع شهد تطورًا غير مسبوق في 27 يوليو 2026، عندما أصدرت المحكمة العليا في المملكة المتحدة حكمًا تاريخيًا رفضت فيه محاولة مملكة البحرين الاحتماء بالحصانة السيادية لإسقاط دعوى قضائية رفعها معارضان بحرينيان يقيمان في بريطانيا، يتهمان السلطات باختراق أجهزتهما الإلكترونية باستخدام برنامج التجسس FinSpy.
ولا يعني الحكم أن المحكمة أثبتت مسؤولية البحرين عن عملية التجسس، إذ لم تبدأ بعد النظر في أصل الاتهامات، لكنه يمثل انتصارًا قانونيًا بالغ الأهمية لأنه يزيل العقبة التي سعت البحرين إلى استخدامها طوال سنوات لمنع المحكمة من نظر القضية أساسًا. وبذلك، يفتح الحكم الطريق لأول مرة أمام بحث الأدلة والوقائع المتعلقة باستخدام برامج التجسس ضد معارضين بحرينيين أمام القضاء البريطاني.
وتتجاوز أهمية هذا القرار حدود هذه القضية وحدها. فهو يبعث برسالة واضحة مفادها أن استخدام التكنولوجيا لاستهداف المعارضين في الخارج لا ينبغي أن يوفر حصانة من المساءلة، وأن الدول لا تستطيع الاعتماد على الطبيعة العابرة للحدود للهجمات الإلكترونية للإفلات من القضاء. كما يمنح ضحايا المراقبة الرقمية أملاً حقيقيًا بإمكانية اللجوء إلى القضاء المستقل عندما تغلق أبواب العدالة داخل بلدانهم.
ولا تقتصر أهمية الحكم على القضية البحرينية وحدها، بل يعد من أوائل الأحكام الصادرة عن أعلى محكمة بريطانية التي تتناول بصورة مباشرة العلاقة بين قواعد الحصانة السيادية التقليدية والانتهاكات الناشئة عن استخدام أدوات المراقبة الرقمية العابرة للحدود، في وقت أصبحت فيه هذه التقنيات إحدى أبرز وسائل استهداف الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمعارضين السياسيين في المنفى.
قضية تمتد لأكثر من عقد
تعود وقائع القضية إلى عام 2011، عندما كشف الدكتور سعيد الشهابي، الصحفي والناشط السياسي البحريني المقيم في المملكة المتحدة منذ عام 1973 ويحمل الجنسية البريطانية، وموسى محمد، المصور والناشط الحقوقي البحريني المقيم في المملكة المتحدة منذ عام 2006، أن السلطات البحرينية استخدمت برنامج التجسس FinSpy لاختراق أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهما أثناء وجودهما داخل الأراضي البريطانية.
وبحسب الدعوى، أتاح البرنامج للقائمين على تشغيله الوصول إلى الملفات والبيانات المخزنة على الأجهزة، واعتراض الاتصالات النصية والصوتية والمرئية، وتشغيل الكاميرات والميكروفونات عن بعد، بما وفر قدرة على مراقبة أنشطتهما بصورة شاملة ودون علمهما أو موافقتهما. وتشير الدعوى إلى أن عمليات الاختراق نفذت من خارج المملكة المتحدة، فيما كانت الأجهزة المستهدفة موجودة داخلها، مع إدارة برنامج التجسس عبر خادم موجود في البحرين.
ولم يعلم المدعيان بتعرض أجهزتهما للاختراق إلا في عام 2014، بعد نشر معلومات عن برنامج FinSpy من قبل ويكيليكس ومنظمة “بحرين ووتش”. وقد أكد المدعيان أن اكتشاف تعرضهما للمراقبة المستمرة ألحق بهما أضرارًا نفسية جسيمة، وهو ما استندا إليه في دعواهما إلى قانون الحماية من المضايقة البريطاني لعام 1997، مطالبين بتعويض عن الأضرار النفسية التي نتجت عن تعرضهما للمراقبة المستمرة دون علمهما.
على أن هذه القضية لا تأتي بمعزل عن سياق الواقع البحريني، إذ وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية على مدى سنوات استخدام السلطات البحرينية وسائل المراقبة الرقمية لاستهداف الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمعارضين السياسيين، في إطار سياسة أوسع لتقييد حرية التعبير وملاحقة الأصوات المنتقدة داخل البلاد وخارجها.
كيف حاولت البحرين منع نظر القضية؟
منذ رفع الدعوى أمام المحكمة العليا في لندن عام 2020، لم يكن الخلاف الرئيس في هذه المرحلة حول ما إذا كانت البحرين قد استخدمت بالفعل برنامج FinSpy، بل حول سؤال قانوني سابق لذلك: هل يمكن للمحاكم البريطانية أن تنظر في الدعوى أصلًا؟
تمسكت البحرين بما يعرف بـ”الحصانة السيادية“، وهو مبدأ قانوني يمنح الدول الأجنبية، كقاعدة عامة، حماية من المقاضاة أمام محاكم الدول الأخرى. واستندت إلى قانون الحصانة السيادية البريطاني لعام 1978، معتبرة أن الاختراق – إذا وقع – نفذ من خارج المملكة المتحدة، وبالتالي لا يحق للقضاء البريطاني النظر في الدعوى.
ولو قبلت المحكمة هذا الدفع، لانتهت القضية قبل أن تبدأ، ولما أتيحت للمدعيين فرصة عرض الأدلة أو مناقشة الوقائع أمام القضاء. وبعبارة أخرى، كانت البحرين تسعى إلى إنهاء الدعوى استنادًا إلى الحصانة، دون الوصول أصلًا إلى بحث مزاعم التجسس.
وبذلك، لم تكن المحكمة في هذه المرحلة مطالبة بالفصل في صحة مزاعم التجسس أو مسؤولية البحرين عنها، وإنما بحسم مسألة أولية تتعلق بما إذا كانت الدعوى يمكن أن تُنظر أصلًا أمام القضاء البريطاني.
إلا أن هذا الدفع رفض في جميع مراحل التقاضي. فقد رفضته المحكمة العليا في لندن عند نظر القضية لأول مرة، ثم أيدت محكمة الاستئناف الحكم عام 2024، قبل أن تلجأ البحرين إلى المحكمة العليا البريطانية، أعلى جهة قضائية في البلاد، في محاولة لإلغاء الأحكام السابقة والتمسك بالحصانة. وفي حكمها الصادر في 27 يوليو 2026، رفضت المحكمة العليا البريطانية استئناف البحرين بأغلبية ثلاثة قضاة مقابل اثنين، مؤكدة أن الحصانة السيادية لا تمنع استمرار هذه الدعوى.
لماذا رفضت المحكمة العليا البريطانية الحصانة؟
منذ بدء القضية، أصرت البحرين على أن المحاكم البريطانية لا تملك صلاحية نظر الدعوى، لأن الأشخاص الذين يزعم أنهم نفذوا عملية الاختراق كانوا موجودين خارج المملكة المتحدة. وبحسب هذا الطرح، فإن الفعل لم يقع داخل الأراضي البريطانية، وبالتالي تتمتع البحرين بالحصانة السيادية التي تمنع مقاضاتها أمام القضاء البريطاني.
إلا أن المحكمة العليا البريطانية رفضت هذا التفسير، وأيدت ما سبق أن خلصت إليه كل من المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف، عندما قضت بأن البحرين لا يمكنها التذرع بالحصانة السيادية لمنع استمرار الدعوى. ورأت أن قانون الحصانة السيادية البريطاني لعام 1978 يتضمن استثناءً يسمح للمحاكم البريطانية بالنظر في الدعاوى المتعلقة بالأضرار الشخصية التي تقع داخل المملكة المتحدة.
وبالنسبة لهذه القضية تحديدًا، اعتبرت المحكمة أن الأضرار التي يدعيها المدعيان، بما فيها الأضرار النفسية الناتجة عن المراقبة المستمرة، وقعت أثناء وجودهما داخل الأراضي البريطانية. كما أكدت أن القانون لا يشترط وجود مرتكب الفعل داخل المملكة المتحدة، وأن إضافة مثل هذا الشرط لا تستند إلى نص القانون ولا إلى إرادة المشرع البريطاني.
ورفضت المحكمة أيضًا حجة البحرين بأن مكان وجود منفذي الاختراق هو العامل الحاسم، مؤكدة أن التطور التكنولوجي يفرض فهمًا مختلفًا للانتهاكات الرقمية. فالهجوم الإلكتروني قد ينفذ من خارج الدولة، لكنه يستهدف أجهزة وأشخاصًا موجودين داخلها ويحدث آثاره فيها، ولذلك فإن وجود منفذي الاختراق خارج المملكة المتحدة لا يمنع اعتبار الفعل قد وقع داخلها لأغراض تطبيق القانون.
ولا يعني الحكم أن المحكمة أثبتت صحة مزاعم التجسس أو مسؤولية البحرين عنها، فهذه المسائل لم تفصل فيها بعد، وستبحث في المرحلة المقبلة من الدعوى. إلا أن القرار يزيل العقبة القانونية التي حاولت البحرين استخدامها منذ سنوات لإغلاق القضية قبل النظر في موضوعها، ويفتح الباب أمام فحص الأدلة التقنية وسماع دفوع الطرفين أمام القضاء البريطاني.
حكم يضع حدودًا للقمع الرقمي العابر للحدود
تتجاوز أهمية هذا الحكم حدود هذه الدعوى، إذ يضع أحد أوائل السوابق القضائية التي تتعامل مباشرة مع العلاقة بين الحصانة السيادية والانتهاكات الرقمية العابرة للحدود. فلو قبلت المحكمة بدفع البحرين، لأصبح بإمكان أي دولة تنفيذ عمليات تجسس إلكتروني ضد صحفيين أو معارضين أو مدافعين عن حقوق الإنسان يقيمون في الخارج، ثم التذرع بأن منفذي الاختراق كانوا خارج الدولة المستهدفة للإفلات من المساءلة.
وبالتالي، لا تقتصر أهمية هذا الحكم على نزاع قانوني بين طرفين، بل تمتد إلى واحدة من أبرز القضايا الحقوقية في العصر الرقمي: هل تستطيع الدول استخدام التكنولوجيا لاستهداف معارضيها خارج حدودها دون أن تحاسب؟
خلال العقد الأخير، وثقت منظمات حقوقية وخبراء أمن رقمي الاستخدام المتزايد لبرامج التجسس التجارية لاستهداف الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمعارضين السياسيين في المنفى. وتتيح هذه البرامج الوصول إلى الملفات الشخصية، واعتراض الاتصالات، وتشغيل الكاميرات والميكروفونات عن بعد، بما يحول الهواتف وأجهزة الحاسوب إلى أدوات مراقبة دائمة.
وأصبح هذا النمط من الانتهاكات يعرف بـ”القمع العابر للحدود“، إذ لا يقتصر على الملاحقة داخل الدولة، بل يمتد إلى مراقبة المعارضين وتهديدهم والتأثير على نشاطهم حتى بعد مغادرتهم بلادهم. ولا تمثل المراقبة الرقمية مجرد انتهاك للخصوصية، بل تؤدي إلى تقييد حرية التعبير والعمل الحقوقي، وتزرع الخوف لدى الضحايا ومصادرهم، وتقوض قدرة المجتمع المدني على توثيق الانتهاكات والتواصل مع الضحايا. ولا يقتصر هذا النمط من الانتهاكات على المراقبة الرقمية، بل يشمل أيضًا الترهيب، واستهداف أفراد الأسرة، والضغوط غير المباشرة، وغيرها من الوسائل المستخدمة لإسكات الأصوات المنتقدة حتى بعد مغادرتها البلاد.
وفي هذا السياق، يمثل رفض المحكمة العليا البريطانية السماح للبحرين بالاحتماء بالحصانة السيادية خطوة مهمة نحو تضييق مساحة الإفلات من المساءلة، وضمان ألا تتحول الطبيعة العابرة للحدود للتكنولوجيا إلى وسيلة لتعطيل حق الضحايا في اللجوء إلى القضاء.
أكثر من قضية تجسس… اختبار لمساءلة الدول
يمثل الحكم الصادر عن المحكمة العليا البريطانية محطة قانونية مهمة في مسار القضية، لكنه لا يحسم النزاع. فما زالت المحكمة مطالبة بالنظر في أصل الدعوى، وفحص الأدلة الفنية والتقنية، وتحديد ما إذا كانت عملية الاختراق قد وقعت بالفعل، ومن يقف وراءها، وما إذا كانت تترتب عليها مسؤولية قانونية.
ومع ذلك، فإن أهمية الحكم تكمن في أنه يؤكد مبدأ بالغ الأهمية: لا يجوز أن تتحول الحصانة السيادية إلى ملاذ يحول دون مساءلة الدول عن الانتهاكات الرقمية العابرة للحدود. كما يبعث برسالة إلى الضحايا بأن استخدام التكنولوجيا في استهدافهم لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إلى العدالة، حتى عندما تغيب سبل الإنصاف داخل بلدانهم.
ومن المرجح أن يمتد أثر هذا الحكم إلى قضايا مستقبلية تتعلق باستخدام برامج التجسس الحكومية والهجمات الإلكترونية العابرة للحدود، بما في ذلك الدعاوى التي يرفعها صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومعارضون سياسيون يقيمون خارج بلدانهم، وهو ما قد يسهم في تضييق مساحة الإفلات من المساءلة في الفضاء الرقمي.
رحب المدعيان بالحكم، معتبرين أنه يمثل تحولًا مهمًا في مسار القضية ورسالة تتجاوز نزاعهما الشخصي. وقال الدكتور سعيد الشهابي: “هذا ليس انتصارًا لنا فحسب، بل لكل من تستهدفه الدول الاستبدادية خارج حدودها. رسالة المحكمة واضحة: الدول التي تنتهك حقوق الإنسان على الأراضي البريطانية ستُحاسب.” أما موسى محمد، فقال: “لقد انتهى عهد إساءة معاملة الضحايا مع الاختباء وراء حصانة الدولة.”
كما رحبت منظمات وخبراء حقوقيون بالحكم، معتبرين أنه يشكل سابقة قانونية مهمة في مواجهة استخدام برامج التجسس الحكومية ضد المعارضين والنشطاء في المنفى. ووصفت المحامية إيدا أدوا من شركة Leigh Day، التي تمثل المدعيين، الحكم بأنه يفتح نقاشًا قانونيًا مهمًا حول مسؤولية الدول عن استخدام تقنيات المراقبة التطفلية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان وأفراد المجتمع المدني خارج حدودها، ويؤكد أن التطور التكنولوجي لا ينبغي أن يوفر للدول وسيلة جديدة للإفلات من المساءلة.
من جهتها، تؤكد منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB) أن هذا الحكم يمثل خطوة مهمة نحو الحد من الإفلات من العقاب في الانتهاكات الرقمية العابرة للحدود، ورسالة واضحة للدول بأن استخدام برامج التجسس لاستهداف النشطاء والمعارضين لا ينبغي أن يبقى بمنأى عن المساءلة القضائية.
وتدعو المنظمة السلطات البحرينية إلى الكف عن استخدام تقنيات المراقبة والتجسس لاستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين والصحفيين، وضمان احترام الحق في الخصوصية وحرية التعبير، وإجراء تحقيق مستقل في جميع مزاعم المراقبة الرقمية ومحاسبة المسؤولين عنها. كما تحث السلطات البريطانية على مواصلة ضمان وصول الضحايا إلى العدالة، وعدم السماح بالحصانة السيادية كوسيلة للإفلات من المساءلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

