منذ أكثر من عقد، لم تعد الجنسية في البحرين مجرد رابطة قانونية بين المواطن والدولة، بل تحولت، في حالات موثقة عدة، إلى أداة تستخدمها السلطات لمعاقبة المعارضين والناشطين وأفراد عائلاتهم. فمنذ عام 2012، لجأت السلطات إلى إسقاط الجنسية بقرارات إدارية وأحكام قضائية وأوامر تنفيذية، مستندة إلى عبارات واسعة مثل “الإضرار بأمن الدولة” و”مخالفة واجب الولاء” و”خدمة دولة معادية”. ومع مرور السنوات، تغيّرت الصياغات وتنوّعت الإجراءات، لكن النتيجة واحدة: مواطن يفقد جنسيته، وأسرته تواجه تبعات القرار، وفي حالات أخرى ينتهي الأمر بالعيش في المنفى أو انعدام الجنسية.
انطلاقًا من هذا الواقع، فإن ما يجري في البحرين منذ اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في مارس 2026، لا ينبغي قراءته كإجراء استثنائي فرضته ظروف الحرب، التي وفرت للسلطات ظرفًا جديدًا لإعادة استخدام أداة قديمة. ليظهر أن ما استخدم بالأمس تحت عناوين “الإرهاب” أو “خدمة دولة معادية”، يستخدم اليوم تحت عناوين جديدة هي “التعاطف مع إيران” و”تمجيد الهجمات” و”التخابر مع جهات خارجية”.
يتطرق هذا التقرير إلى استخدام البحرين “الحق في الجنسية” كسلاح ضد مواطنيها. وينظلق من ما شهده يوم 27 أبريل 2026، عندما أعلنت السلطات البحرينية إسقاط جنسية 69 شخصًا، في واحدة من أكبر عمليات التجريد الجماعي من الجنسية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، وربطت القرار بالحرب والهجمات الإيرانية على البحرين. على أن الإجراء العقابي لم يكن فرديًا هنا، بل جماعيًا، كون المشمولين بالقرار من أفراد العائلات نفسها، بما يعني أن آثار القرار لم تتوقف عند الأشخاص الذين نسبت إليهم السلطات أفعالًا بعينها، بل امتدت إلى أفراد أسرهم.
وعليه، فإن الإشكالية هنا ليست ما إذا كانت البحرين تواجه مخاطر أمنية حقيقية في ظل حرب إقليمية، بل هي: هل تملك الدولة، بسبب الحرب، صلاحية أن تجعل من الجنسية عقوبة على التعبير أو الموقف السياسي؟ وهل يمكن أن تسقط جنسية شخص من دون محاكمة فردية عادلة، ومن دون إتاحة سبيل فعّال للطعن، ومن دون ضمان ألا يصبح عديم الجنسية؟
إجراء عقابي يعاد تدويله
أعادت الحرب إحياء نمط تعرفه البحرين جيدًا. فمنذ اندلاع الحراك الشعبي السلمي المطالب بالإصلاحات والديمقراطية في 2011، تعرض مواطنون بحرينيون للتوقيف والمحاكمة والسجن والتعذيب والنفي، ثم أضيف سحب الجنسية إلى هذه المنظومة باعتباره عقوبة تمتد آثارها إلى ما بعد السجن. لم يكن سحب الجنسية إجراءً واحدًا أو ثابتًا، فقد استخدمته السلطات في قرارات إدارية، وأحكام قضائية جماعية، وأوامر مرتبطة بالترحيل، كما اقترن في حالات أخرى بقضايا سياسية وأمنية اتهم فيها المواطنون بالإرهاب أو الارتباط بجهات خارجية.
بحلول أبريل 2019، كان عدد من جردوا من جنسيتهم قد وصل إلى نحو 990 شخصًا وفق توثيق منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين. هذه التوثيقات مهمة لفهم ما يجري اليوم. فالبحرين تعيد اليوم تدويل استخدام عقوبة سحب الجنسية في مواجهة من تعتبرهم خصومًا أو غير موالين لها، وما بدأ في 27 أبريل 2026، بات يعد أحدث حلقة في نمط ممنهج من استخدام الجنسية لمعاقبة المواطن، وفي بعض الحالات لمعاقبة أسرته معه.
من “الإضرار بأمن الدولة” إلى “التعاطف مع إيران”
تكشف مراجعة قرارات سحب الجنسية في البحرين عن تغير العناوين وبقاء المنهج. في نوفمبر 2012، أسقطت وزارة الداخلية جنسية 31 شخصًا، مستندة إلى المادة 10 من قانون الجنسية لعام 1963، وبحجة أنهم يشكلون خطرًا على أمن الدولة. وفي السنوات اللاحقة، توسع استخدام هذه الصلاحيات، لتشمل معارضين وناشطين وشخصيات دينية وحقوقية، ولترتبط في أحيان كثيرة بملفات أمنية وإرهابية ذات طابع سياسي.
وفي عام 2015، جرد 208 أشخاص من جنسيتهم، ثم توسعت الممارسة أكثر في 2017 و2018. وفي مايو 2018 وحده، جرد 115 شخصًا من جنسيتهم في قضية جماعية، بينما شهد أبريل 2019 حكمًا جماعيًا أسقط الجنسية عن 138 شخصًا. وفي قضية “حزب الله البحريني” وحدها، حكم على 169 متهمًا، وأسقطت الجنسية عن 138 منهم. وقد وثقت ADHRB في هذه القضايا مخاوف تتعلق بالاعتقال التعسفي والتعذيب والاعترافات بالإكراه وغياب ضمانات المحاكمة العادلة.
كما استخدمت السلطات سحب الجنسية كجزء من عقوبات قضائية طالت أفرادًا في قضايا ذات دوافع سياسية. ففي قضية الشيخ عيسى قاسم، وهو أكبر مرجعية شيعية في البحرين تمثل الغالبية من السكان، جرد من جنسيته في يونيو 2016، في قرار وصفته منظمات حقوقية بأنه تعسفي، وربطته السلطات لاحقًا بقضية تتعلق بممارسته الدينية وجمع أموال الخمس.
وفي 2016، توسع الإطار التنفيذي لهذه الصلاحيات من خلال قرار وزير الداخلية رقم 89 لسنة 2016 بشأن تطبيق المواد 8 و9 و10 من قانون الجنسية، بما عزز المخاوف المتعلقة باتساع السلطة التنفيذية في التعامل مع الجنسية وغياب معايير موضوعية كافية تحول دون استخدامها ضد المعارضين.
وفي حالات أخرى، اقترن إسقاط الجنسية بالسجن ثم الترحيل. ففي يناير 2018، رحّلت السلطات البحرينية سبعة أشخاص بعد إسقاط جنسيتهم، بينما غادر شخص ثامن البلاد عقب صدور أمر الترحيل.
أدى الضغط الدولي، خاصة خلال الاستعراض الدوري الشامل للبحرين أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى بعض الإصلاحات. ففي أبريل 2019، أعاد ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة الجنسية إلى 551 فردًا، ونقل رسميًا صلاحية سحب الجنسية إلى مجلس الوزراء. غير أن هذه الإصلاحات لم تحل، من الناحية العملية، المشكلة الجوهرية: فمن استعيدت جنسيتهم ما زالوا يواجهون قيودًا على السكن والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والمشاركة السياسية، ولم يحصلوا على أي تعويض عن الأضرار التي لحقت بهم خلال سنوات انعدام الجنسية.
واليوم، في ظل الحرب، تبدلت اللغة مرة أخرى. إذ لم يعد المطلوب بالضرورة أن يكون المواطن متهمًا في “قضية إرهابية” أو محكومًا أمام محكمة، بل يكفي أن يتهم بـ”التعاطف” عبر نشر مقطع فيديو، أو التعبير بتغريدة عن موقفه بشأن الحرب. وهذا ما يعني اان الحد الفاصل بين الجريمة والتعبير عن الرأي، يصبح خاضعًا لتقدير السلطة.
69 جنسية تسقط في إعلان واحد!
في 27 أبريل 2026، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية إسقاط جنسية 69 شخصًا، وربطت القرار بالحرب مع إيران، وبما وصفته بـ”تمجيد الأعمال العدائية الإيرانية” أو “التخابر مع جهات خارجية”. وجاء القرار استنادًا إلى المادة 10/3 من قانون الجنسية، التي تتحدث عن الإضرار بمصالح المملكة أو التصرف بما يناقض واجب الولاء لها. وتبعًا لما أعلنته السلطات، فإن الأشخاص المشمولين بالقرار، بمن فيهم أفراد عائلاتهم بالتبعية، بلغ عددهم 69 شخصًا، وجميعهم من أصول غير بحرينية بحسب الرواية الرسمية.
لكن المشكلة هنا لا تبدأ من صحة الاتهامات التي أوردتها السلطات، فإذا كانت الدولة تملك أدلة على ارتكاب شخص جريمة، فالمسار الطبيعي هو التحقيق معه، وإحالته إلى القضاء، وتمكينه من معرفة الاتهام الموجه إليه، والدفاع عن نفسه، ومناقشة الأدلة، والطعن في الحكم. أما أن تتحول الجنسية إلى أداة عقاب إداري، بحيث يصبح الإعلان الرسمي هو نقطة البداية والنهاية، فهذا يقلب العلاقة بين المواطن والقانون.
والأخطر أن القرار لم يوضح، بالنسبة إلى كل فرد من المشمولين به، ما الفعل المحدد الذي ارتكبه، وما الأدلة التي استندت إليها السلطات، وما الإجراء الذي أتيح له للاعتراض أو الدفاع عن نفسه.
عقوبة جماعية
من أكثر الجوانب قسوة في سياسة سحب الجنسية البحرينية أن آثارها لم تقتصر على الأشخاص الذين تستهدفهم السلطات مباشرة، بل امتدت إلى أطفال لم يرتكبوا أي فعل. فقد وثقت منظمة ADHRB حالات لأطفال بحرينيين حرموا تعسفًا من الجنسية وجوازات السفر والوثائق الرسمية، في سياق إجراءات استهدفت آباءهم بسبب نشاطهم السياسي أو بسبب مغادرتهم البحرين خوفًا من الملاحقة.
في إحدى الحالات، ولدت طفلة في البحرين لأبوين بحرينيين، لكنها بقيت لسنوات بلا بطاقة شخصية أو جواز سفر، بعدما رفضت السلطات إصدار وثائقها بحجة غياب الأب وملاحقته أمنيًا. عاشت الطفلة بعيدًا عن والديها وإخوتها، وبقيت غير قادرة على السفر أو الالتحاق بالمدرسة بصورة طبيعية.
وفي حالة أخرى، رفضت السلطات إصدار جواز سفر لطفل بحريني رغم صدور حكم قضائي يقضي بمنحه الجواز، ثم تأكيد وزارة العدل انتهاء مهلة الاستئناف ووجوب تنفيذ الحكم. ومع ذلك، لم تنفذ وزارة الداخلية الحكم، وبقي الطفل بلا وثائق، وحرم من بعض الحقوق والخدمات الأساسية، وعاش بعيدًا عن والده وإخوته الموجودين خارج البلاد.
كما وثقت المنظمة حالتين لشقيقتين حرمتا من الوثائق والجنسية على خلفية وضع والدهما. كانت الكبرى قد ولدت في البحرين، لكن السلطات رفضت إصدار جوازها بحجة أن والدها مطلوب ويجب أن يحضر شخصيًا، بينما ولدت الصغرى خارج البحرين ولم تمنح الجنسية أصلًا، فأصبحت بلا جنسية معترف بها وبلا جواز سفر.
هذه الحالات تكشف أن أثر سياسة الحرمان من المواطنة لا يتوقف عند الشخص المستهدف. وكيف يمتد إجراء عقابي إلى حرمان طفل من وثيقة تثبت هويته، أو من المدرسة والسفر، أو من القدرة على العيش مع أسرته بصورة طبيعية. وعندما تمتد هذه الآثار إلى أطفال لم يرتكبوا أي فعل، يصبح سحب الجنسية أداة تحمّل الأسرة كلها تبعات عقوبة لم تصدر بحقها.
المواطنة في زمن الحرب
منحت الحرب التي اندلعت في 2026 السلطات البحرينية ذريعة جديدة لتوسيع هذه السياسة. في 27 أبريل، لم تكتف السلطات بإعلان إسقاط جنسية 69 شخصًا، بل ربطت القرار صراحة بالحرب والهجمات الإيرانية، وقالت إن المستهدفين أبدوا “تعاطفهم وتمجيدهم” للأعمال العدائية الإيرانية أو قاموا بـ”التخابر مع جهات خارجية”. كما تضمنت الرواية الرسمية اتهامات أكثر تحديدًا ضد بعض الأفراد، بينها “تلقي أموال من إيران، وتسريب أسرار دولة، والتدريب في معسكرات تابعة للحرس الثوري الإيراني، وجمع تبرعات تحت غطاء العمل الخيري وتحويلها إلى حزب الله”.
لا تقتصر أهمية موجة أبريل 2026 على الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في القرار. فالحالة التي وثقتها منظمة العفو الدولية لمواطن بحريني تكشف بصورة أكثر وضوحًا كيف يمكن أن ينتقل الشخص من مجرد التعبير على الإنترنت إلى فقدان الجنسية والترحيل.
بحسب إفادته، أعاد علي نشر مقطع فيديو، لكنه حذفه بعد نحو ثلاث ساعات، كما شارك مع السلطات بيانًا لوزارة الداخلية يحذر من تداول مقاطع الهجمات. وبعد فحص هاتفه والتحقق من إفادته، أبلغته السلطات أن الأمر كان “سوء فهم”. ولأن سجله الجنائي كان نظيفًا، اكتفت بإلزامه بتوقيع تعهد بالولاء للبحرين وعدم نشر محتوى قد يضر بالبلاد، وهو ما فعله. لكن في 27 أبريل 2026، استدعي علي إلى إدارة الجوازات والإقامة، وطُلب منه تسليم بطاقته الشخصية وبطاقة أحد أفراد أسرته، وأُبلغ بأن جنسيتهما قد سحبت. وعندما سأل عن السبب، لم يحصل على قرار قضائي أو شرح تفصيلي للاتهامات. قيل له إن “هذه قرارات سيادية”. وفي 9 مايو 2026، رحّلت السلطات علي وأحد أفراد أسرته إلى بلد آخر، بعد أن منحتهما جوازي سفر صالحين لمدة عام واحد فقط، ويحملان الحرف “R”، الذي يرجح أنه يشير إلى “Revoked” أي سحب الجنسية.
هذه الحالة بالذات مهمة لأنها تقلب الرواية التي قد توحي بأن كل من سحبت جنسيته كان قد خضع لإجراء أمني أو قضائي وثبتت مسؤوليته. فبحسب التوثيق، كان الرجل قد تعاون مع السلطات، وحذف المادة، ووقّع التعهد المطلوب، ولم يكن لديه سجل جنائي، ومع ذلك انتهى به الأمر إلى فقدان جنسيته وترحيله.
كما حدث في الموجات السابقة من التجريد، نفذ قرار أبريل 2026 بشكل إداري، دون أي إجراء قضائي، ودون ما يشير إلى أن المسمّين في القرار حصلوا على فرصة للطعن في الاتهامات الموجهة إليهم قبل فقدانهم جنسيتهم. ووصفت الناشطة البحرينية الدنماركية مريم الخواجة هذه الخطوة بأنها امتداد لممارسة عمرها عقود تنتهجها الأسرة الحاكمة آل خليفة لاستخدام الجنسية كسلاح ضد المعارضين والأغلبية الشيعية في البلاد، مشيرة إلى أن العديد من العائلات المتضررة تعيش الآن في البحرين عديمة الجنسية، عاجزة عن الوصول إلى التعليم الحكومي والرعاية الصحية والسكن. كما أفاد ناشطون حقوقيون بأن عددًا من المذكورين في الإعلان لم و يعطَوا أي تفسير للقرار قبل الإعلان عنه علنًا.
وبالنسبة للمتضررين، فإن انعدام الجنسية يحمل تبعات تتجاوز بكثير فقدان وثيقة قانونية. إذ يواجه عديمو الجنسية في البحرين قيودًا روتينية على العمل وتملك العقارات وحرية التنقل والحصول على الخدمات العامة الأساسية. كما يمكن أن يترك أفراد الأسرة، بمن فيهم الأطفال المولودون بعد سحب جنسية أحد الوالدين، دون أي جنسية معترف بها، وهو وضع قد يستمر عبر أجيال ما لم تتدخل الحكومة.
منع الرقابة والمحاسبة
لم يقتصر التصعيد خلال الحرب على المواطنين الذين طالتهم قرارات سحب الجنسية. فقد امتد الجدل إلى داخل مجلس النواب نفسه، عندما عارض ثلاثة نواب بحرينيين تشريعًا يتعلق بإخراج قضايا الجنسية من نطاق الرقابة القضائية.
في 28 أبريل 2026، امتنع النائب الأول لرئيس مجلس النواب عبدالنبي سلمان، ورئيس لجنة الخدمات ممدوح الصالح، والنائب مهدي الشويخ عن التصويت لصالح مرسوم بقانون يخرج قضايا الجنسية من اختصاص القضاء ويعيد تصنيفها بوصفها “شؤونًا سيادية” لا تخضع للطعن أو الاستئناف. وحذر عبدالنبي سلمان من أن استبعاد الرقابة القضائية عن مسألة جوهرية كالجنسية يفتح الباب أمام سلطة تقديرية واسعة قد يساء استخدامها في بعض الأحيان، بما يمس سير العدالة.
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن السياق العام من الاضطهاد الديني المستمر في البحرين. فالنواب الثلاثة من الطائفة الشيعية، التي طالما واجه أفرادها ومؤسساتها السياسية والدينية سياسات تمييز وقمع، بما في ذلك الاعتقالات وإسقاط الجنسية والترحيل.
وفي أعقاب موقفهم، تعرض النواب الثلاثة لحملة انتقادات حادة داخل المجلس وخارجه، إلى أن صوّت مجلس النواب بالإجماع في 7 مايو 2026 على إسقاط عضويتهم النيابية، استنادًا إلى عريضة وقعها 37 نائبًا وأقرتها لجنة الشؤون التشريعية والقانونية، بدعوى أن مواقفهم أخلّت بواجباتهم النيابية وتعارضت مع “الثوابت الوطنية”. وهذا ما يكشف تطورًا بالغ الخطورة في عقوبة التجريد من الجنسية، عندما يصبح المواطن أمام سلطة تملك اتخاذ القرار وتنفيذه، بينما يغلق الباب أمام الجهة التي يفترض أن تراجع مشروعيته. وقد اعتبرت هذه الخطوة عقابًا سياسيًا مباشرًا لممارسة النواب الثلاثة لدورهم الرقابي المشروع، وتصعيدًا آخر يوظّف فيه البحرين ظروف الحرب مع إيران لتضييق هامش المعارضة السياسية الشرعية داخل مؤسساته التمثيلية ذاتها.
ممارسة تنتهك القانون الدولي
يتعارض السحب التعسفي للجنسية، خصوصًا حين يُنفَّذ دون محاكمة عادلة وحين يؤدي إلى انعدام الجنسية، تعارضًا مباشرًا مع التزامات البحرين بموجب القانون الدولي. المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أنه لا يجوز تجريد أحد من جنسيته تعسفًا. كما تتعارض هذه الممارسة مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل التي تكفل لكل طفل الحق في جنسية، واتفاقية 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية، وهي معاهدة صُممت خصيصًا لمنع الدول من جعل الأفراد عديمي الجنسية عبر مثل هذا الإجراء الإداري.
ولطالما أشار خبراء مستقلون معنيون بقضايا انعدام الجنسية إلى أن استخدام البحرين لسحب الجنسية يعكس نمطًا عالميًا أوسع تُوظِّف فيه الدول قوانين الجنسية لمعاقبة المعارضة السياسية، عبر استخدام صياغات قانونية فضفاضة عمدًا، مثل “الإضرار بمصالح المملكة” أو “واجب الولاء”، لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة مع رقابة قضائية شبه معدومة. ولا يُعفي التذرع بمخاوف الأمن القومي في زمن الحرب الدولةَ من هذه الالتزامات بموجب القانون الدولي؛ بالاستثناءات من الحماية الحقوقية خلال حالات الطوارئ تظل خاضعة لمعايير صارمة من الضرورة والتناسب، وهي معايير من غير المرجح أن تستوفيها قرارات تجريد جماعي وشامل للعائلات.
وقد كرّس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا المبدأ في سلسلة من القرارات المتعاقبة الصادرة تحت عنوان “حقوق الإنسان والحرمان التعسفي من الجنسية”، وآخرها القرار رقم 26/14 الصادر في 26 يونيو 2014. فبينما يعترف القرار بسلطة الدول في وضع تشريعات تنظم اكتساب الجنسية أو التخلي عنها أو فقدانها، فإنه يقيّد هذه السلطة صراحة بشرط أن تكون “وفقًا للقانون الدولي”، مؤكدًا بذلك المبدأ ذاته الذي أرسته محكمة العدل الدولية الدائمة قبل أكثر من تسعة عقود. ويدعو القرار جميع الدول إلى الامتناع عن اتخاذ تدابير تمييزية أو سنّ تشريعات تحرم الأفراد تعسفًا من جنسيتهم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي، لا سيما إن كانت هذه التدابير تفضي إلى انعدام الجنسية.
كما يطالب القرار الدول بالتقيد بمعايير إجرائية دنيا تضمن خلوّ قرارات سحب الجنسية أو تغييرها من أي عنصر تعسفي وإخضاعها للمراجعة القضائية أو الإدارية، و بإدراج ضمانات في قوانينها الوطنية لمنع انعدام الجنسية، وبإتاحة سبل انتصاف فعالة للمتضررين، بما في ذلك إعادة الجنسية إليهم. ويحث القرار الدول أيضًا على تقييم مدى تناسب أي إجراء لسحب الجنسية مع المصلحة المراد حمايتها، وعلى الامتناع عن التوسع التلقائي في سحب الجنسية ليشمل أفراد عائلة الشخص المتضرر. وهذه المعايير مجتمعة، من غياب أي مراجعة قضائية إلى التجريد الجماعي الذي طال أفراد الأسرة تلقائيًا، تعكس بدقة العناصر التي افتقرت إليها عمليات التجريد التي نفذتها البحرين في أبريل ومايو 2026.
نفس الأسلوب القديم
توضح عمليات التجريد في أبريل ومايو 2026 كيف يمكن لـ أداة قمع محلية راسخة أن يعاد توظيفها وتوسيع نطاقها بسرعة عندما تواجه الدولة تهديدات أمنية خارجية حقيقية. ويُظهر تاريخ البحرين نفسها أن الجنسية التي تُسحب باسم الأمن القومي في لحظة أزمة، ظلت في الماضي مسحوبة لسنوات، بل لم تُستعَد بشكل حقيقي في كثير من الحالات حتى بعد زوال المبرر
الأمني المباشر. ويشير السابقة التي أرستها موجتا التجريد في 2012 و 2015، واللتان لم تُعكسا سوى جزئيًا في 2019، إلى أن المتضررين في 2026 قد يواجهون سنوات من انعدام الجنسية بصرف النظر عن كيفية انتهاء الحرب مع إيران في نهاية المطاف.
كما أن الإطار المرتبط بالحرب يجعل التحقق المستقل من الاتهامات الأساسية أكثر صعوبة. بالاتهامات الغامضة بـ”تمجيد” الهجمات أو “التعاطف” مع خصم في زمن الحرب قابلة بطبيعتها لأن تُطبَّق على نطاق واسع من التصرفات، بما في ذلك التعبير السلمي عن الرأي أو تداول الأخبار أو انتقاد السياسة الحكومية، وهي تصرفات محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان حتى في أوقات النزاع المسلح.
التوصيات
إن موجة التجريد الجماعي من الجنسية التي نفذتها البحرين في أبريل ومايو 2026 ليست حادثة منفصلة عن تاريخ البلاد، بل تمثل إعادة استخدام لأداة اعتمدت عليها السلطات على مدى أكثر من عقد ضد مواطنين بحرينيين. والجديد في عام 2026 هو أن الحرب وفّرت غطاءً سياسيًا وأمنيًا لإعادة توسيع هذه الأداة، وإدخال عبارات أكثر اتساعًا وغموضًا في وقت تتقلص فيه مساحة التعبير السياسي والمدني داخل البحرين.
تؤكد منظمة “الأمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” (ADHRB) أن موجة التجريد الجماعي من الجنسية التي نُفذت في أبريل ومايو 2026 تشكل جزءًا من نمط موثق منذ زمن طويل من التجريد التعسفي من الجنسية الذي تستخدمه الحكومة البحرينية لمعاقبة المعارضة السياسية واستهداف الأغلبية الشيعية في البلاد بشكل جماعي. والتذرع بظروف الحرب مع إيران لا يُعفي البحرين من التزاماتها بمنع انعدام الجنسية وضمان محاكمة عادلة قبل تجريد أي فرد من جنسيته.
وعليه، تدعو ADHRB حكومة البحرين إلى:
- التراجع عن عمليات إسقاط الجنسية التي نفذت دون إجراءات قضائية فردية تستوفي معايير المحاكمة العادلة.
- إعادة الجنسية إلى كل من جُرد منها تعسفًا، ولا سيما من أصبحوا عديمي الجنسية.
- وقف إسقاط الجنسية عن أفراد الأسرة بالتبعية، وضمان عدم تحميل الأطفال نتائج أفعال لم يرتكبوها.
- ضمان حق كل شخص في معرفة أسباب القرار المتخذ بحقه، والاطلاع على الأدلة، والطعن في القرار أمام جهة قضائية مستقلة.
- مراجعة المادة 10 من قانون الجنسية وسائر النصوص والإجراءات التي تمنح السلطات صلاحيات واسعة وغير محددة في إسقاط الجنسية، بما يضمن توافقها مع المعايير الدولية.
- توفير جبر فعّال للأفراد والعائلات الذين تعرضوا للضرر نتيجة سحب الجنسية أو الترحيل أو فقدان الوثائق والخدمات الأساسية.
- وقف استخدام العبارات الفضفاضة كأساس لإجراءات تمس حقًا أساسيًا كالحق في الجنسية، ما لم تكن الأفعال محددة بوضوح في القانون وخاضعة للمراجعة القضائية.
- تمكين المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والدول الحليفة للبحرين، من ممارسة ضغط حقيقي على المنامة لإنهاء استخدام الجنسية كأداة للقمع السياسي.

