بين القمع والرقابة: قضية بدر الحسينان تكشف واقع الحقوق والحريات في الكويت

في 18 يونيو 2026، قضت محكمة الاستئناف الكويتية بسجن صانع المحتوى الكوميدي بدر الحسينان ثلاث سنوات، بعد أن ألغت حكمًا سابقًا ببراءته. جاء الحكم بناءً على خلفية مقطع فيديو قصير نُشر عبر تطبيق “سناب شات”، ظهر فيه الحسينان مع آخرين يرتدون خوذًا عسكرية في مشهد ساخر.

ورغم الطابع الكوميدي للفيديو الذي لم يتضمن أي إساءة مباشرة للدولة أو السلطات، فقد أحيلت القضية إلى محكمة أمن الدولة بتهم تتعلق بنشر معلومات خاطئة، الإضرار بالجاهزية العسكرية، وإثارة الخوف بين الناس خلال فترة الحرب.

وتكتسب القضية أهمية تتجاوز الحكم الصادر بحق الحسينان، لأنها تأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن حدود حرية التعبير في الكويت، ولا سيما عندما تتصل المنشورات أو المحتويات الرقمية بالقضايا الأمنية والعسكرية. وفي هذا السياق، باتت قضايا من هذا النوع تُقرأ باعتبارها مؤشرًا على مدى اتساع هامش السلطة في تفسير القيود المفروضة على التعبير.

قضايا تتجاوز الحسينان 

لم تكن قضية بدر الحسينان حالة منفردة خلال الأشهر الأخيرة، إذ ترافقت مع سلسلة من الإجراءات الأمنية والقضائية التي طالت صحفيين وإعلاميين ومستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي على خلفية محتوى مرتبط بالحرب والتطورات الإقليمية.

فقد دعت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات الكويتية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحفي الأميركي-الكويتي أحمد شهاب الدين، الذي كان قد احتُجز على خلفية اتهامات مرتبطة بالنشر ومخالفات أمنية، معتبرةً احتجازه مثالًا على قمع حرية التعبير واستخدام تهمة الأمن القومي في قضايا تتعلق بالصحفيين. كما أثارت قضية المذيعة زينب دشتي، التي صدر بحقها حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات بسبب تصريحات مرتبطة بالحرب، جدلًا واسعًا إذ عكست المناخ القمعي الذي يواجهه الإعلاميون والمواطنون على حد سواء.

إلى جانب هذه القضايا الفردية، أصدرت محكمة أمن الدولة، أحكامًا بحق مجموعة من المغردين على خلفية منشورات متعلقة بالحرب، حيث قضت بسجن 17 شخصًا لمدة ثلاث سنوات، والحكم على متهم آخر لمدة 10 سنوات، فيما امتنعت عن معاقبة 109 وألزمتهم بمحو تغريداتهم وبرأت 9 آخرين.

تشير هذه القضايا مجتمعة إلى اتساع دائرة الملاحقة لتشمل أشكالًا مختلفة من التعبير الرقمي، من المحتوى الساخر إلى التعليقات السياسية والمنشورات المتعلقة بالأحداث العسكرية.

سياق أوسع من الحرب 

لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن السياق السياسي والأمني الذي شهدته الكويت والمنطقة خلال عام 2026، إلا أن جذور القيود على التعبير أقدم من الأزمة الحالية.

ففي عام 2024، شهدت الكويت تصاعدًا ملحوظًا في الإجراءات الرسمية ضد منتقدي الحكم، شملت ملاحقات قضائية، أحكامًا بالسجن وتجريد عدد من الأفراد من الجنسية. ويشير هذا السياق إلى أن القيود المفروضة على حرية التعبير والمعارضة السياسية ليست ظرفًا استثنائيًا مرتبطًا بالحرب، بل جزء من نهج مستمر لتقليص مساحة التعبير والمشاركة السياسية.

كما تناولت تقارير حقوقية القيود المفروضة على النشاط السياسي وحرية التعبير، معتبرة أن التضييق على المعارضة والتعبير العام يمثل مسارًا أوسع من مجرد الاستجابة للظروف الأمنية الطارئة.

وعلى المستوى الخليجي، أشارت تقارير حقوقية إلى أن القيود المفروضة على التعبير لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، بل سبقتها قيود وتشريعات وإجراءات أمنية استهدفت أشكالًا مختلفة من النشاط المدني والإعلامي. ومع اندلاع الحرب، اتسعت المخاوف لتشمل اعتقالات مرتبطة بالمنشورات الرقمية، وتفتيش الهواتف، ومراقبة المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما قد يدفع الأفراد إلى ممارسة رقابة ذاتية أوسع على ما ينشرونه.

قانون مكافحة الإرهاب يوسّع نطاق القيود

لكن التطور الأبرز في عام 2026 لا يقتصر على الاعتقالات والأحكام القضائية، بل يمتد إلى الإطار القانوني الذي بات ينظم التعامل مع القضايا المصنفة أمنية. في 15 مارس/آذار 2026، أصدر أمير الكويت المرسوم بقانون رقم 47 لسنة 2026 بشأن مكافحة جرائم الإرهاب.

ووفقًا لتقييم منظمة العفو الدولية، يثير المرسوم مخاوف حقوقية، بسبب اعتماده تعريفًا واسعًا ومبهمًا لـ«العمل الإرهابي» قد يمتد إلى بعض أشكال الاحتجاج والمعارضة السلمية، إلى جانب توسيع نطاق عقوبة الإعدام وإنشاء نيابة ودوائر قضائية متخصصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة. كما يتيح القانون فرض قيود على بعض الأشخاص حتى من دون إدانة جنائية، فيما ترى المنظمة أن بعض هذه الإجراءات قد تمس ضمانات المحاكمة العادلة وحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، خصوصًا مع عقد بعض الجلسات بصورة مغلقة وتقليص درجات التقاضي في هذه القضايا.

ويضيف هذا التطور بعدًا جديدًا إلى القضايا التي طالت مستخدمي وسائل التواصل والإعلاميين خلال الحرب. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بكيفية تطبيق القوانين القائمة على منشور أو مقطع فيديو، وإنما أيضًا باتساع الإطار التشريعي والأمني الذي تتحرك ضمنه السلطات. ومن هنا تكتسب قضية بدر الحسينان أهميتها، باعتبارها جزءًا من نقاش أوسع حول الحدود التي يمكن أن تصل إليها القيود الأمنية على التعبير في زمن الحرب.

بين النص الدستوري والممارسة 

تتمتع حرية التعبير في الكويت بإطار قانوني منصوص عليه في الدستور والتشريعات ذات صلة. وتنص المادة 36 من الدستور على “ﺣﺮﻳﺔ اﻟﺮأي واﻟﺒﺤﺚ اﻟﻌﻠﻤﻲ ﻣﻜﻔﻮﻟﺔ ، وﻟﻜﻞ اﻧﺴﺎن ﺣﻖ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ رأﻳﻪ وﻧﺸﺮﻩ ﺑﺎﻟﻘﻮل أو اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ أو غيرها، وذﻟﻚ وﻓﻘًﺎ ﻟﻠﺸﺮوط واﻷوﺿﺎع اﻟﺘﻲ ﻳﺒﻴﻨﻬﺎ اﻟﻘﺎﻧﻮن”. تعد هذه المادة الأساس القانوني لحرية التعبير في البلاد، وتمنح المشرع مجالًا لسن تشريعات تحدّ من ممارستها. كما تنص المادة 37 على حرية الصحافة والطباعة والنشر لكنها بدورها مقيدة بالقانون فيما تؤكد المادة 30 على أن الحرية الشخصية مكفولة.

لكن الإشكالية لا تتعلق بغياب النصوص الدستورية وحدها، وإنما بالمساحة التي تتركها القوانين المنظمة لممارسة هذه الحقوق، وبالطريقة التي تُستخدم بها النصوص ذات الطابع الأمني في القضايا المرتبطة بالتعبير.

فإلى جانب هذه النصوص الدستورية، تفرض عدة قوانين قيودًا عملية على حرية التعبير، أبرزها قانون أمن الدولة الذي يُجرّم نشر المعلومات تعبر مساسًا بمصالح الدولة أو امنها. كما يفرض قانون المطبوعات والنشر قيودًا على بعض أشكال النشر، بما في ذلك ما يتعلق بالذات الأميرية والنظام العام.  ويضاف إلى ذلك قانون الإعلام الإلكتروني الذي يفرض رقابة على المحتوى المنشور عبر الإنترنت.

الالتزامات الدولية 

لا تقتصر حماية حرية التعبير على الإطار الدستوري الكويتي. فعلى المستوى الدولي، تعد حرية التعبير حقًا أساسيًا منصوصًا عليه في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه الكويت عام 1966. كما تؤكد  المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل شخص الحق في اعتناق الآراء دون تدخل، وفي التماس المعلومات وتلقيها ونقلها عبر أي وسيلة. وتشترط أيضًا أن تكون القيود على هذا الحق ضرورية ومنسجمة مع أهداف مشروعة، مثل حماية الأمن القومي أو النظام العام، وأن لا تستخدم لتقييد ممارسة الحق في التعبير.

بين الأمن والحرية 

لهذا، فإن قضية بدر الحسينان لا تقرأ فقط باعتبارها حكمًا قضائيًا بحق صانع محتوى، وإنما باعتبارها اختبارًا عمليًا للتوازن بين الأمن وحرية التعبير في الكويت: إلى أي مدى يمكن للدولة أن تفرض قيودًا على التعبير في زمن الحرب، وأين تبدأ الحدود التي يتحول عندها الأمن من مبرر مشروع إلى أداة لتقييد المجال العام؟

إذ في حين تفرض الحروب والأزمات الإقليمية ضغوطًا إضافية على الحكومات لحماية المعلومات العسكرية والأمنية، فإن اتساع تعريف ما يعد تهديدًا أمنيًا يمكن أن يؤدي في المقابل إلى تضييق المجال العام.

بناءً على ما تقدم، تدعو منظمة أمريكيون من أجل  الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB)، حكومة الكويت إلى احترام التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان وضمان حرية التعبير لجميع المواطنين والمقيمين دون الخوف من العقاب أو الملاحقة. وتطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط للمحتجزين بسبب التعبير السلمي ومن بينهم بدر الحسينان، مراجعة التشريعات المقيدة لحرية الرأي والتعبير، ووقف الملاحقات التي تطال الصحفيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بسبب آرائهم.