بيع الديمقراطيّة الأميركيّة للديكتاتوريين في الشرق الأوسط

لقد تحوّل الدّعم غير المشروط الذي تُقدّمه الولايات المُتحدة إلى الديكتاتوريين في المملكة العربيّة السعوديّة – وهي علاقة تغضّ فيها الولايات المتحدة النّظر عن كافّة أنواع الجرائم التي يُمكنُ تخيّلها والسلوك المُعتمد في العصور الوسطى – إلى مرحلةٍ جديدةٍ تسمحُ للديكتاتوريين السعوديين بشراء دعم الأفراد الدائم بشكلٍ علنيّ. قدّم صندوق استثمار سياديّ بقيادة الديكتاتور السعوديّ محمد بن سلمان، على الرّغم من اعتراضات المجلس الاستشاريّ على هذا القرار، ملياري دولار لصهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر. إنّه بالفعل لَاستثمارٌ يمنحُ الديكتاتور السعوديّ سلطة صنع القرار المُحتملة في الحكومة والسياسة الأميركية، وهو استثمار يتماشى مع ميل إدارة ترامب إلى الانحياز إلى الحكومات الاستبداديّة والسعي إلى علاقات مُجزية ماليّاً على حساب حماية حقوق الإنسان. تُعرب مُنظمة أمركيون من أجل الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB) عن قلقها العميق من الآثار الأخلاقيّة والسياسيّة الخطيرة لهذا التحالف غير المسبوق، لاسيّما نظراً لإمكانيّة تولي ترامب الرئاسة للمرة الثانية.

 

“استثمار” مشبوه

في حين تمّ وصف هذه الصفقة ظاهريّاً بأنها استثمار في شركة خاصّة، إلّأ أنّ فشل السيد كوشنر كرجل أعمال، وعلاقته الوثيقة للغاية مع بن سلمان، واعتراض مجلس إدارة صندوق الاستثمار السياديّ على إعطاء هذه الأموال، أثار مخاوف تتجاوز الاعتبارات الأخلاقيّة البسيطة؛ إنّه بيع الديمقراطيّة الأميركيّة للديكتاتور. ولا يُمكن اعتبار هذه الصفقة إلّا أحدث أشكال المُعاملة بالمثل التي تخدمُ الذات بين المُستشارين داخل إدارة ترامب والنظام الملكيّ السعوديّ. إنّ شروع محمد بن سلمان في الاستثمار في شركة غير مُثبتة في تحدٍّ مُباشر لتوصيات اللجنة، وعلى مقربةٍ من نهاية ولاية ترامب، من شأنه أن يدفع حتى المُراقبين غير الرسميين إلى التشكيك في سبب هذا الاستثمار والاستنتاج بأنّ الفوائد المُتوقّعة من هذه المُساهمة للسعوديّة تتخطى المكاسب الماليّة.

إنّ هذه الصفقة ليست غيرأخلاقياً فحسب، بل إنها تُمثّلُ خطراً حقيقياً: في حال عودة إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، سوف يخلقُ هذا “الاستثمار” بيئةً تكون فيها الولايات المُتحدة مدينةً بالفضل لديكتاتورٍ يقتلُ النشطاء المؤيدين للديمقراطيّة، ويأمر بقتل الصحفيين المُنتقدين لمعاملته في العصور الوسطى للأشخاص الذين يضطهدهم، ويخترق أجهزة النشطاء والصحفيين الإلكترونيّة وأيّ شخصٍ يُمكنه إثارة مُعارضة قبضته المُطلقة على السلطة.

ومع تبادل المال هذا بين جاريد كوشنر وديكتاتور المملكة العربيّة المتحدة، قد يتمّ تصفية قرارات السياسة الأميركيّة من خلال ما يُناسب ديكتاتور المملكة العربيّة المتحدة وليس المواطنين الأميركيين. وفي ظلّ هذه الأهميّة الخطيرة الممنوحة للديكتاتور، لم يعُد عمل المواطنين الأميركيين وطاقتهم يُستخدمان لصالح بلدهم بل للديكتاتور السعوديّ.

 

الخلفيّة

كانت المملكة العربيّة السعوديّة والولايات المُتحدة حليفيْن رئيسييْن لأكثر من 70 عاماً. وعلى الرّغم من الاختلافات في القيم الأميركيّة والسعوديّة، إلا أنّ الشركات الأميركيّة موجودة في الدولة الخليجيّة منذ العام 1993، وفي غضون ذلك، حافظ البلدان على علاقةٍ وثيقةٍ ووديّةٍ قائمةٍ على التعاون الاستراتيجيّ المُتعلّق بقضايا الدفاع ومكافحة الإرهاب. وعلى الرّغم من الاعتراف بأن السياسات، الهادفة إمّا إلى الحفاظ على العلاقات الأميركيّة السعوديّة أو تعزيزها، ليست ظاهرةً جديدة، إلّا أنّ إدارة ترامب في الشرق الأوسط وجهود الدبلوماسيّة – التي قادها كوشنر ظاهريّاً – تضمّنت تطوير علاقة وثيقة بشكل غير عاديّ مع المملكة الخليجيّة التي يبدو أنّها تنطوي على التغاضي عن سلسلة مُتصاعدة من انتهاكات حقوق الإنسان. ويُظهر تدخّل كوشنر نيابةً عن المملكة نهجاً مُختلفاً بشكلٍ ملحوظ للعلاقة الثنائيّة، وهو نهجٌ تمّ الإشارة إليه للمرّة الأولى عندما اختار الرئيس ترامب المملكة العربيّة السعوديّة في أوّل زيارةٍ له إلى الخارج كرئيسٍ للبلاد. وخلال زيارته، وقّع صفقة أسلحة بقيمة 109.5 مليار دولار، وهي أكبر صفقة دفاعيّة فرديّة على الإطلاق مع الدولة الخليجيّة. كما ألغت إدارة ترامب الحظر الذي فرضه الرئيس أوباما على بيع ذخائر دقيقة التوجيه إلى الرياض بعد اتّهام العديد من هجمات التحالف التي تقوده السعوديّة على اليمن بارتكاب جرائم حرب.

وإنّ العلاقة الأميركيّة مع المملكة العربيّة السعوديّة، التي تشملُ مبيعات الأسلحة الضخمة وغضّ النّظر عن الفظائع التي ارتكبها الديكتاتور، تُشبه بشكلٍ ملحوظ العلاقة التي كانت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عام 1979. وتُشبه العلاقات العامّة الإيجابيّة المحيطة بالديكتاتور محمد بن سلمان والتي تظهره بأنّه (وهذا غير صحيح) مُصلح وصاحب رؤية وسيُطوّر بلاده، هي رواية مماثلة لما قيل عن شاه إيران. ويتكرر التاريخ  الكارثيّ نفسه الذي نتج عن دعم الولايات المتحدة لذلك الديكتاتور في إيران مع دعمها هذه المرة لديكتاتور المملكة العربيّة السعوديّة . إنّه لمن المُخيف التفكير بماهيّة الكوارث الجديدة التي تنتظر الولايات المتحدة والعالم حين يُسمح للديكتاتور السعوديّ بمنح ملياري دولار لأحد المتّصلين بالسياسة الخارجيّة للولايات المتحدة ولإدارة رئاسيّة!

 

كوشنر ومحمد بن سلمان: حماية ديكتاتور

اصبح البيع غير المشروط للأسلحة العسكرية إلى المملكة العربية السعودية سمة من سمات العلاقة الثنائية خلال رئاسة ترامب، حيث بذل كوشنر جهودًا خاصة لتضخيم ورفع أرقام المبيعات في صفقة أسلحة أمريكية إلى المملكة العربية السعودية لتوطيد العلاقة المنشأة حديثًا بين البلدين بشكل رمزي. حتى وسط الدعوة من الحزبين لمساءلة النظام الملكي السعودي في أعقاب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، كانت هناك محاولات محدودة، إن وجدت، للاستفادة من هذه العلاقة لتعزيز إصلاحات حقوق الإنسان من قبل الحكومة السعودية. لم يعزز كوشنر صمت إدارة ترامب بشأن تورط محمد بن سلمان خلال الفترة الأولية التي أعقبت القتل فحسب، بل أصبح أيضًا وبشكل تدريجي المدافع الأكثر صخبا عن ولي العهد حتى بعد ان أصدر مكتب المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام في الأمم المتحدة تقريرًا من 100 صفحة وجد فيه أن محمد بن سلمان متورط بشكل قاطع في تنظيم جريمة القتل.

لم يقتصر صمت إدارة ترامب بشأن سجل المملكة العربية السعودية في القمع والوحشية وفقًا لرغبة كوشنر في الحفاظ على علاقة مواتية مع المملكة على ردها الفظيع على مقتل خاشقجي. خلال فترة كوشنر كمستشار للسياسات في الشرق الأوسط، كثفت المملكة العربية السعودية استخدامها لعقوبة الإعدام واستهدافها للمدافعين عن حقوق الإنسان. منذ عام 2015، ارتفع عدد عمليات الإعدام في المملكة العربية السعودية بشكل تدريجي، حيث تم إعدام 184 سجينًا في عام 2019 وحده ؛ ومما يثير القلق أن الإعدام الجماعي الأخير لـ 81 فردًا في 12 مارس 2022 يشير إلى أن هذا الاتجاه لم يهدأ. وكان الغالبية العظمى من الذين أعدموا هم من الشيعة وأدينوا بارتكاب جرائم تزعم السلطات أنهم ارتكبوها مثل دعم المتظاهرين أو نشر الفوضى وذلك على أساس الاعترافات القسرية من خلال التعذيب والمحاكمات غير العادلة. و في هذا الصدد، تعرض المدافعون عن حقوق الإنسان ولا يزالون يتعرضون للقمع من خلال عمليات الاحتجاز والاعتقال والسجن، وتنتهك حقوقهم الإنسانية الأساسية في جميع مراحل العملية القضائية. وكثيراً ما يُحتجزون في الحبس الانفرادي، ويُعذَّبون أثناء الاستجواب أو أثناء الاحتجاز. لا تزال الاعترافات القسرية ممارسة شائعة في المملكة العربية السعودية، وتعتمد المحاكم في الغالب على الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب لإصدار الأحكام. وإلى جانب التعذيب وسوء المعاملة، لا يحترم النظام القضائي السعودي الحق في محاكمة عادلة واجراءات المحاكمة العادلة، وهما حقان أساسيان ينص عليهما الإطار الدولي لحقوق الإنسان. على الرغم من الدعوات العديدة من داخل الولايات المتحدة ومن المجتمع الدولي الأوسع لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان هذه وتشجيع المملكة العربية السعودية على الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، استمرت إدارة ترامب وكوشنر تحديدًا في إعطاء الأولوية للحفاظ على المكانة الجيدة للعلاقة مع محمد بن سلمان والنظام الملكي السعودي.

 

تاريخ التغاضي عن الانتهاكات

إن فعالية القيادة الأمريكية في العالم محدودة بسبب دعمها لأعداء الديمقراطية في الشرق الأوسط. لعقود وحكومات متتالية، تجاهلت الولايات المتحدة عمداً وتخلت عن مسؤولياتها للدفاع عن الديمقراطية، وتحديداً في الشرق الأوسط. الديكتاتوريون والحكومة الاستبدادية هم «المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط». الديكتاتوريون والحكومات الاستبدادية غير مستقرين بطبيعة الحال لأنه ليس لديهم شرعية ؛ السلطة من خلال القمع غير مستدامة. لقد واصل شعب الشرق الأوسط المضطهد المطالبة بالديمقراطية، وفي حين أنه يمكن تجاهل حركة ديمقراطية وربما العنف الذي يستخدمه ديكتاتور لإخماده، لكن لا يمكن تجاهل ذلك إلى الأبد دون أن تحل كارثة.

لقد أصبح تاريخ الدعم الأمريكي للديكتاتوريين الشرق الأوسط يؤدي إلى نتائج عكسية ولم يعيق الاستقرار في المنطقة وتقدم البشرية هناك فحسب، بل قيض أيضًا المصالح الأمريكية. «الاعتقاد بأن المستبدين في الشرق الأوسط يمكنهم حماية المصالح الأمريكية من خلال فرض النظام السياسي والاجتماعي على المواطنين المستضعفين» لا يفيد إلا المستبد ؛ يتأذى أي شخص آخر – بما في ذلك قوة الولايات المتحدة طويلة الامد.

عندما يعيش الناس في ديمقراطية، فإنهم قادرون على أن يحددوا بأنفسهم نتيجة عمل غير مرغوب فيه، وستكون الحرب خيارًا مستبعدا. إنهم يقررون بأنفسهم أنهم سيقاتلون ويموتون ويتحملو النتائج. وبالنسبة للديكتاتور والمستبد، فإن قرار الدخول في حرب والتضحية بالسلام ليس قرارا ذو اهمية لأن ذلك الفرد يتخذ قرارا فردياً وليس هو الذي سيتحمل النتائج؛ والحاكم الاستبدادي هو صاحب الدولة وليس عضوا فيها؛ هو لا يشعر بعواقب قراراته.

إن المضي بخيار خاطئ في أنه إما أن ندعم الديمقراطية أو الأمن الإقليمي هو اقتراح «إما أو». المضي بـ «إما أو» هو عبارة عن المضي برواية ديكتاتور عازم على ممارسة سلطة مسيئة بالكامل، دون رادع. قبول هذه الرواية هو التنازل عن السلطة لعدو الديمقراطية. إن التزام الصمت وغض النظر عن قتل وقمع نشطاء الديمقراطية يضعف الولايات المتحدة في كل مكان في العالم، أينما كانت. إن الإلتزام في دفاعنا عن الديمقراطية هو قوة لا يمكن لأي قوة أخرى على وجه الأرض الوقوف في وجهها. يجب أن يكون الناس وليس الحكام الاستبداديون في وضع يمكنهم من التأثير على الشؤون الدولية لأنه مرة أخرى، لا يمكن لأي مجموعة ان تتحمل التكاليف المتعلقة بالعنف والحرب من خلال أموالهم وممتلكاتهم وأرواحهم أن تتابعها أو تتجاهلها.