إنتهاكات حقوق الإنسان على صعيد دول مجلس التعاون الخليجي باتت واقعاً متردياً لا يخفى على أحد وتتفاقم سمعته السيئة مع تسارع الأحداث، فمثل السعودية والبحرين لا تتوان الإمارات العربية المتحدة عن تكرار مشهد الانتهاكات السائد لدى أخواتها ولكن  العديد من الإنتهاكات في الإمارات العربية المتحدة غالباً لا يتم الإبلاغ عنها أو يُتعمّد طمسها والتعتيم عليها ضمن اساليب التبييض وتلميع صورة السلطات الحاكمة، ابتداءً من قمع حرية الرأي والتعبير واعتقال النشطاء وسجنهم مع انتهاك حقهم في المحاكمة العادلة، وحتى عند مناقشة انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، فإن النقاش يحيط عادةً بدور المملكة العربية السعودية في الغارات الجوية، بدلاً من الإمارات العربية المتحدة على أرض الواقع وعلى وجه الخصوص في السجون.

آخر الأحداث

تستمر دولة الإمارات في احتجاز تسعة نشطاء رغم انتهاء فترة محكوميتهم، في سجن الرزين سيء السمعة في أبوظبي، وذلك رغم مرور عام كامل على إكمال فترة الحكم الصادر بحقهم. وبحسب جهات حقوقية النشطاء التسعة هم “أحمد الملا” و “عبد الوحيد الشوا” و “فيصل الشوا” و “عبد الله الحلوا”  و “سيد البريمي”  و “خليفة ربيعة” و “عبد الله علي الهاجري”  و “عمران الحارثي”  و “محمود الحسيني”، حيث أنهوا فترة العقوبة التي امتدت لمدة 3 سنوات، في يوليو من العام الماضي 2018، دون أية معلومات عن موعد خروجهم من السجن، وقد تم احتجازهم في مركز المشورة  داخل سجن الرزين في أبو ظبي، ووفق المعمول به فإن أي شخص يتم احتجازه في هذا المركز لا يخضع لأي محاكمة فعلية بل يمكن أن يبقى لسنوات دون الإفراج عنه. ويذكر أنّ هؤلاء النشطاء لم يتلقوا محاكمات عادلة وحرموا من توكيل محامٍ.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد اتهمت سلطات الإمارات أنها تستخف بالتزاماتها الدولية بموجب القانون الدولي خاصة في مجال حقوق الإنسان.

وتحتجز الإمارات هؤلاء النشطاء بعد انتهاء محكوميتهم داخل ما يسمى بمراكز المناصحة وهي مراكز خارج القانون وخارج كل ما هو إنساني.

وفي العاشر من الشهر الجاري أفرجت دولة الإمارات العربية المتحدة عن ثلاثة من معتقلي الرأي رغم تأخر الخطوة لاثنين منهم عامين كاملين وهم “أسامة النجار” و “عثمان الشحي” و “بدر البحري” من سجن الرزين، ولكن لا يزال العشرات من النشطاء معتقلين في السجون الإماراتية بسبب نشاطهم الحقوقي ومطالبهم بالحريات والإصلاح السياسي.

الثلاثة المفرج عنهم تم اتهامهم بوجود صلات لهم بجماعة الإصلاح الإسلامية التي حظرتها السلطات الإماراتية في 2014. والنجار تم اعتقاله عام 2013 بسبب نشاطه ضمن حملة للمطالبة بالإفراج عن والده ومعتقلين سياسيين آخرين في الإمارات، أما الشحي فصدر بحقه حكماً بالسجن عام 2014 لمدة خمس سنوات بسبب تعليقات له على تويتر ساند فيها معارضين سياسيين بينما حُكم على البحري في 2016 بالسجن ثلاث سنوات لاتهامه بالانضمام لمنظمة سرية.

وقضى النجار حكماً بالسجن ثلاث سنوات كاملة، وبقي بعدها بالسجن عامان دون محاكمة، كما قضى البحري محكوميته بالسجن ثلاث سنوات كاملة عام 2017 ، وبقي في السجن وكذلك الشحي الذي قضى محكوميته بالسجن خمس سنوات كاملة نهاية عام 2018.

 

واقع الإنتهاكات في الإمارات

حرية التعبير

استمر إسكات النقد الموجه للحكومة عن طريق ملاحقة المعارضين السلميين قضائياً وسجنهم. ففي 29 مايو 2018، حُكم على أحمد منصور، آخر المدافعين عن حقوق الإنسان المعنيين بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في الإمارات العربية المتحدة والكشف عنها للملأ، بالسجن عشر سنوات بسبب قيامه بنشر تعليقات على حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي. وجاء ذلك بعد أكثر من عام قضى أغلبه معتقلاً بمعزل عن العالم الخارجي في مكان غير معلوم. وقد تمت محاكمته في إطار من السرية، فلم تنشر عنها أي معلومات إلا بعد صدور الحكم.

أدين منصور، الذي استخدم وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به للدعوة إلى الإفراج عن زملائه المدافعين عن حقوق الإنسان ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في الإمارات العربية المتحدة، بتهمة إهانة مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة ورموزها، ونشر معلومات وشائعات كاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز الطائفية والكراهية بموجب قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2012 في الإمارات العربية المتحدة. أصدرت المحكمة حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات وغرامة قدرها مليون درهم (272،000 دولار أمريكي) على التهم المذكورة أعلاه، والتي استأنفها منصور. في 31 ديسمبر 2018 ، رفضت المحكمة استئنافه وأيدت الحكم الأصلي، مما يعني أنه استنفذ جميع سبل الانتصاف القانونية.

كما ظل ناصر بن غيث الأستاذ الجامعي وسجين الرأي مسجوناً بتهم تتعلق بحرية التعبير، وكذلك الأمر المدافع عن حقوق الإنسان وسجين الرأي الآخر محمد الركن. وكان بن غيث قد أضرب عن الطعام في 7 أكتوبر، وذلك احتجاجاً على ما تعرض له من إهمال طبي وعدم انتظام الزيارات العائلية في سجن الرزين. كما حُرم من الأدوية التي كان يتناولها قبل دخوله السجن بسبب ارتفاع ضغط الدم وغيره من الأمراض. وكانت صحته في حالة حرجة مع نهاية العام.

تعقيباً على ما ذُكر، تستخدم الإمارات قوانين مكافحة الإرهاب لقمع المعارضة وإسكات وتقييد حرية التعبير. إذ تعتبر حرية التعبير جريمة إرهابية، حيث أن القوانين تستهدف بوضوح أي شخص ينتقد السلطات ويواجه خطر التعرض للسجن. في هذا الصدد، يتم تضمين الانتقادات للحكومة في التعريف الواسع للتهديدات الإرهابية. كذلك تستخدم الإمارات الاحتجاز الإداري منذ 2014 لاعتقال ومحاكمة كل من يمثل تهديداً “إرهابياً”. وتتم مراجعة الحالة كل ثلاثة أشهر بموجب نظام الاحتجاز الإداري لتقرير ما إذا كانت تؤكد الاحتجاز أو تفرج عن الشخص المسؤول، لكن القانون يسمح للسلطات بتمديد شروط الاحتجاز لأجل غير مسمى.

هناك ثماني حالات على الأقل تم الإبلاغ عنها في ظل هذا الاحتجاز الإداري. وقد حُكم على أحد هؤلاء الأفراد المدعو أسامة النجار بالسجن لمدة ثلاث سنوات لتعاونه مع الأمم المتحدة وخاصة الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة. وتم تمديد فترة اعتقاله بشكل ممنهج.

إن قانون الجرائم الإلكترونية يحاكم مستخدمي تكنولوجيا المعلومات مثل المدونات ومنصات التواصل الاجتماعي لتنظيم المظاهرات، ويفرض قيوداً على الحق في حرية التعبير والتجمع. ويشمل عقوبة السجن مدى الحياة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يعارضون الحكومة او ينتقدونها..

المعاملة السيئة والتعذيب

لم تتخذ دولة الإمارات أي خطوات للقضاء على التعذيب وغيره من صور المعاملة السيئة أثناء الاعتقال. وقد وثقت منظمة العفو الدولية ثماني حالات احتجز فيها المعتقلون بمعزل عن العالم الخارجي في أماكن غير معلومة لأسابيع أو شهور، الأمر الذي يؤدي إلى اشتداد خطر حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان. وفي بعض الحالات، تم احتجاز المعتقلين في ظروف مهينة مع حرمانهم من أدوات النظافة الشخصية ومن فرصة الاستحمام، أو تم تهديدهم باستعمال العنف معهم إلى أقصى حد.

واقع سجون الإمارات السرية في اليمن

قال تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن ضباطا إماراتيين اغتصبوا العديد من المعتقلين في اليمن، وارتكبوا أعمال عنف جنسي بأدوات مختلفة.

وأوضح تقرير المفوضية أن ظروف المعتقلين في مراكز الاحتجاز كانت مرعة، وأن حالات الاغتصاب كانت تحدث أيضا من قبل قوات الحزام الأمني على مرأى من معتقلين آخرين، بمن فيهم أفراد من عائلة المعتقل والحرس.

وذكر تقرير المفوضية الأممية أنه كان يُطلب من النساء الرضوخ للاغتصاب أو الانتحار، واللواتي يرفضن ذلك يتعرضن للضرب أو الرمي بالرصاص أو القتل، إضافة إلى تهديدهن بأمن عائلاتهن ومحيطهن الاجتماعي.

وبحسب إحصاءات عسكرية هناك 27 سجنا قديما وجديدا تتوزع في عدن وحضرموت وجزيرتي سقطرى وميون، إضافة إلى سجن يقع في إريتريا حيث تمتلك الإمارات قاعدة عسكرية هناك. وقيل حول أنواع التعذيب الجسدي والنفسي في السجون التي يديرها الإماراتيون بشكل مباشر، أنّ أسوأها الاغتصاب بأجهزة أو بعِصِي أو مباشرة عبر الأفراد، والصعق بالكهرباء في مناطق الصدر والإبطين والعضو التناسلي، إضافة إلى الجلد بالعصي والأسياخ والكابلات.

تتزايد الأساليب المروعة التي ترتكبها الإمارات بحق النشطاء دون رادع في الداخل مع تعمد طمس واخفاء الحقائق، والأفظع من ذلك تعدي تلك الأساليب بقعة الإمارات الجغرافية لتصل الى اليمن عبر سجونها السرية المنتشرة خلافاً للقوانين الدولية، فتلك دعوة صريحة الى جميع الجهات الدولية للتحقيق في ما يحدث داخل السجون السرية في اليمن ومحاسبة الإمارات وردعها عن استخدام تلك الأساليب المروعة، كذلك إطلاق سراح جميع النشطاء ومعتقلي الرأي وتعديل القوانين القمعية في ما يخص رية الرأي والتعبير.