قبل خمسة أعوام، إنتفض في مثل هذا الأسبوع مئات الآلاف من الناس مطالبين بالديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين. بعد عقود متلاحقة من التمايز الممنهج والفساد والقمع، تجمع ما يقرب من نصف سكان البلاد للمطالبة بالإصلاح. كان رد الحكومة سريعا وقاسياً. امتلئت الشوارع بقوات شرطة مكافحة الشغب مستخدمين القوة المفرطة والعشوائية لتفريق المتظاهرين وقمع الحراك. وقامت السلطات البحرينية بقمع الإنتفاضة السلمية، بمساعدة قوات سعودية وإماراتية تابعة لدرع الجزيرة لمجلس التعاون الخليجي، مما أسفر عن آلاف الاعتقالات ومئات الجرحى وعشرات القتلى.

وبرغم ذلك، ورغم الضغوط المتواصلة، ظلّت الحركة المؤيدة للديمقراطية في البحرين مستمرة. ومع الإقتراب السريع للذكرى الخامسة للإحتجاجات الأولى، تود منظمات؛ أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، و مركز البحرين لحقوق الإنسان، و معهد البحرين للحقوق والديمقراطية إظهار الحراك الديمقراطي وكل من خاطروا فيه بسلامتهم من أجل مستقبل أفضل في البحرين كأبطال فبراير من أجل العدالة. وسيتم إختيار هذا الشهر بتتبع تطور الحراك منذ إنطلاقته في عام 2011 وتسليط الضوء على أولئك الذين فقدوا حياتهم أو حريتهم بسبب الانتقام الحكومي.

خلفية

تعود الجذور القريبة للحراك الديمقراطي البحريني – في شكله الحالي – إلى عام 2001، عندما وعد (الملك) بتنفيذ سلسلة منالإصلاحات السياسية من خلال ميثاق العمل الوطني، الذي في حد ذاته جاء بسبب الاضطرابات المدنية من التسعينات. وبحسب ما ورد وافق 98% من مواطني البحرين على ميثاق العمل الوطني في استفتاء جرى في 14 فبراير/شباط. إلا أن موجة الإستياء الشعبي تصاعدت بعد أن أخفقت الحكومة في إجراء هذه الإصلاحات.

بحلول عام 2011، وجدت جماعات المعارضة والنشطاء السياسيين في البحرين نفسها وسط قضية مشتركة تزامناً مع المظاهرات الضخمة التي اجتاحت العالم العربي. وبالنسبة للكثيرين في البحرين كانت تلك فرصة مناسبة وضرورية لإحياء المطالبات الديمقراطية الموجودة منذ زمن بعيد في البلاد من خلال الاستفادة من كافة شبكات التواصل الاجتماعي والخروج عن الصمت، فقام مئات الآلاف من البحرينيين بتنسيق احتجاجات سلمية في ذكرى الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني الذي جرى قبل عقد من الزمان.

والجدير بالذكر، إن في الوقت الذي كانت حكومة البحرين تتراجع فيه عن الوفاء بوعدها بشأن الإصلاحات، كانت قد بدأت بفرض قيود مشددة على المعارضة وحرية التعبير الأساسية. في الأشهر التي سبقت الإحتجاجات الأولى، اعتقلت السلطات 23 شخصا بتهمة تنظيم “شبكة إرهابية” لقلب نظام الحكم، بمن فيهم نشطاء بارزون كعبد الجليل السنكيس والشيخ محمد المقداد والشيخ سعيد النوري. فيما تزامن ذلك مع قيام وسائل الاعلام الموالية للحكومة باتهام شخصيتين معروفتين من مدافعي حقوق الإنسان، هما نبيل رجب وعبد الهادي الخواجة، بوجود اتصالات بينهما وبين “الشبكة الإرهابية” وبنشر أخبار كاذبة حول البحرين. وتحوّل استخدام تهم الإرهاب -بهدف ملاحقة وتخويف وتشويه سمعة النشطاء الإصلاحيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومزج الإرهاب بالمعارضة غير العنيفة- تحوّل إلى وسيلة أساسية للقمع الحكومي بعد عام 2011.

فبراير 2011

في 14 فبراير 2011، المصادف للذكرى السنوية العاشرة للاستفتاء على ميثاق العمل الوطني، خرج ما يقرب من نصف سكان البلاد الى شوارع البلدات والقرى في جميع أنحاء البحرين للمطالبة بإصلاحات سياسية. مسيرات سلمية ومظاهرات دعت إلى رفض الملكية المطلقة لـ (ملك) حمد بن عيسى آل خليفة داعيةً إلى إنشاء مؤسسات ديمقراطية مثل برلمان مستقل يتمتع بسلطات تشريعية كبيرة.

جاءت ردة الفعل الحكومية سريعة وعنيفة، رغم سلمية تلك الاحتجاجات، فقد بدأت قوات الأمن بإطلاق النار على الحشود بوابل من الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع، بل وحتى الذخيرة الحية -وفقاً للتقارير. علي مشيمع، وهو متظاهر شاب من قرية الدَّيه، كان أول متظاهر يُقتَل إثر قيام الشرطة بفتح النار على الحشود -بحسب شهود عيان. في اليوم التالي، قامت قوات الأمن بالإعتداء على موكب تشييع المشيمع باطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. وقد أطلق الضباط النار على أحد المحتجين، وهو فاضل المتروك، الذي فارق الحياة لاحقاً  في المستشفى.

وبعدما جاءت ردة فعل السلطة دمويةً، تجمّع عشرات الآلاف من المتظاهرين في دوار اللؤلؤة في العاصمة المنامة، داعين إلى حكومة ديمقراطية جديدة ووضع حد لأعمال العنف.بعد وفاة المتظاهرين، ألقى (الملك) حمد خطاباً متلفزاً أعرب فيه عن أسفه و وعد بفتح تحقيق في الحادث. ولكن بعد خطاب (الملك)، في ليل 17 فبراير/شباط، قامت قوات مكافحة الشغب بمهاجمة عنيفة ضد المتظاهرين الذين كانوا قد تجمعوا في دوار اللؤلؤة. وقد استخدمت قوات الامن الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين بالقوة، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخصا وإصابة أكثر من 50 آخرين.

كان علي أحمد مؤمن، وهو طالب هندسة في جامعة البحرين، من بين الذين قتلوا على يد قوات الأمن خلال هجمة على دوار اللؤلؤة. كان المؤمن يساعد المسعفين الذين كانوا يعالجون جرحى المتظاهرين عندما أطلقت قوات الحكومة الرصاص المطاطي عليه فتوفي لاحقا متأثرا بجراحه. في العام التالي، في 27 سبتمبر/أيلول 2012، برأت المحكمة الجنائية العليا الثالثة ضابط الشرطة الذي قتل المؤمن، بدعوى أن الهجوم كان حادثا غير مقصود.

ظهرت بعد ذلك بقليل تقارير أفادت بأن السلطات كانت تستهدف أيضا أي طبيب أو عامل في المجال الطبي يحاول رعاية المتظاهرين الجرحى، وأنها كانت تمنع سيارات الإسعاف من انتشال الضحايا. وعلاوة على ذلك، بعد أن بدأ العديد من النشطاء الاحتجاج أمام مستشفى السلمانية، قامت السلطات باحتلال المنشأة ومضايقة الموظفين.

وبعد تدهور الوضع، قدّم (الملك) عدة تنازلات رمزية للحركة المؤيدة للديمقراطية؛ فتمت إقالة ثلاثة وزراء وأُطلق سراح 23 شخصاً كانوا قد سُجنوا في سبتمبر/أيلول 2010 بتهم الإرهاب. ولكن كانت الدهشة حينما أقدمت السلطات على اعتقال معظم هؤلاء الأشخاص أنفسهم من جديد عندما أعلن (الملك) حالة الطوارئ وطلب المساعدة من قوات درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون الخليجي في شكل أفراد من الأمن الإماراتي والسعودي.

بعد حوالي شهر من الاحتجاجات الأولى، قامت السلطات بهدم النصب التذكاري في وسط دوار اللؤلؤة، في ما وصفته الجارديان بأنها “خطة للعودة بوسط المنامة إلى حياة ما قبل” المظاهرات المؤيدة للديمقراطية. وعلى الرغم مما قامت به الحكومة، أخذ دوار اللؤلؤة يتحول شيئاً فشيئاً إلى رمزٍ للحركة الإصلاحية في البحرين.

فبراير 2012

وعلى الرغم من القمع الحكومي العنيف للانتفاضة، لم تنته المظاهرات المؤيدة للديمقراطية في البحرين في عام 2011. بل استمر المتظاهرون في الدعوة إلى الإصلاح في جميع أنحاء البلاد، من مكتب الأمم المتحدة في المنامة إلى وزارة العمل. الذين تظاهروا في وزارة العمل كانوا يطالبون بحق العودة إلى وظائفهم بعد أن فُصلوا من أعمالهم لمشاركتهم في الاحتجاجات، حيث كان الفصل من الوظائف نوعاً بارعاً من الانتقام أثر على مجموعة متنوعة من المهن في صفوف البحرينيين.

في الذكرى السنوية الأولى للثورة، قامت قوات الأمن باحتلال دوار اللؤلؤة وزيادة عدد نقاط التفتيش. واستمرت السلطات في استخدام القوة المفرطة لتفريق المتظاهرين. وقد تعرض كل من اشتبه بمشاركته في الاحتجاجات للاعتقال التعسفي، أو من كانوا متواجدين في المناطق التي كانت تنطلق منها الاحتجاجات. كما منعت قوات الأمن الصحفيين من الوصول إلى المناطق القريبة من مكان الاحتجاجات، وحاولت منع دخول وسائل الإعلام العالمية إلى البلاد.

وعلى الرغم من قيام الحكومة بإنشاء اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم توصيات للإصلاح في أعقاب احتجاجات عام 2011، واصلت السلطات في ارتكاب انتهاكات واسعة في ردها على الاحتجاجات. وقد وجدت تقييمات مستقلة للوضع السياسي في البلاد في عام 2012، أن من مجموع الـ (26) توصية من توصيات لجنة تقصي الحقائق، التي نفذتها الحكومة بشكل كامل لا تتعدى خمس توصيات.

في أكتوبر/تشرين الأول 2012، أعلنت وزارة الداخلية حظر جميع التجمعات العامة، بزعم أن حتى العديد من التجمعات المرخصة كانت قد انتهكت قانون التجمعات العامة عبر مهاجمة الممتلكات العامة والدعوة لقلب نظام الحكم.

علاوة على ذلك، في العام الذي تلا الاحتجاجات السابقة، قتلت السلطات 60 شخصا على الاقل. في 1 مارس/آذار 2012، كان الشاب البالغ 22 عاما، فاضل العبيدي، يتظاهر في قرية الدراز عندما أطلقت عليه قوات مكافحة الشغب عبوة غاز مسيل للدموع. ووفقا لشهود عيان، باشر ضباط الشرطة بضربه بعد إصبابته مباشرة. وبعد ذلك بأسبوع، أعلن عن إصابة فاضل بسكتة دماغية، وتوفي في 10 مارس/آذار 2012.

فبراير 2013

وبحلول الذكرى السنوية الثانية للإحتجاجات الأولى، قتلت قوات الامن بين 87 و 120 شخصا -بينهم 13 طفلاً- في حملتها القمعية ضد الحركة المؤيدة للديمقراطيةا. ومع ذلك، وعلى الرغم من الحظر المفروض على التجمعات العامة، خرج في 14 فبراير/شباط 2013 آلاف المتظاهرين السلميين إلى الشوارع من جديد. ومثل السنوات السابقة، كان رد الحكومة الإستخدام المفرط للقوة. وأشارت التقارير إلى أن الاستخدام العشوائي وغير المسؤول لقنابل الغاز المسيل للدموع وطلقات الشوزن من قبل السلطات أسفرعن الكثير من الإصابات الجسدية وأمراض الجهاز التنفسي.

في قرية الديه، أطلقت شرطة مكافحة الشغب أثناء الاحتجاج النار على الفتى البالغ من العمر 16 سنة، حسين الجزيري، و أردته قتيلاً. وعلى الرغم من البدء بتحقيق حكومي في الحادث، إلا أن المحكمة أمرت بعد أشهر بإطلاق سراح ضباط الشرطة المتورطين في وفاة الجزيري. ومع نهاية عام 2014، أعلنت السلطات بأنها أغلقت ملف التحقيق وأنها لن تواصل الإجراءات القانونية ضد الضباط.

فبراير 2014

في فبراير/شباط 2014، مرة أخرى بادرت حشود من البحرينيين بتحدى الحظر على التجمعات العامة وتجمهرت للإحتفاء بالذكرى السنوية الثالثة للحراك. فركب النشطاء المخاطرة بالسجن والتعذيب وواجهوا التواجد الكثيف للشرطة بتظاهرات بالقرب من موقع دوار اللؤلؤة الخاضع تحت سيطرة قوات الأمن.

وأقدمت السلطات على اعتقال ما لا يقل عن 69 شخصاً بشكل غير قانوني وتفريق المتظاهرين الآخرين بالقوة مما أدى إلى إصابات كثيرة. واضطر العديد من الجرحى لتلقي العلاج الطبي في البيوت والعيادات السرية لخشيتهم من التعرض للإعتقال في المستشفيات العامة. في السنوات التي تلت احتلال قوات الأمن لمستشفى السلمانية في عام 2011، ذكر الأطباء بأن الحكومة قامت بعسكرة فعلية لنظام الرعاية الصحية في البحرين، وذلك من خلال استخدام المستشفيات لمراقبة الناشطين.

في عام 2014، أصدرت الحكومة تشريعات تحظر انتقاد (الملك) وتجرّم حرية التعبير أكثر من ذي قبل. وفقا للقانون، أدنى عقوبة لإهانة النظام الملكي هي السجن لسبع سنوات.

بين يناير/كانون الثاني و مايو/أيار 2014 فقط، قتلت قوات الأمن ثلاثة أشخاص على الأقل، بينهم الفتى البالغ ذا الرابعة عشرة من العمر، سيد محمود سيد محسن سيد أحمد، الذي قُتل أثناء حضوره موكب تشييع تعرض لإطلاق النار من قبل قوات الأمن. أصيب سيد محمود بطلقات الشوزن التي أطلقها الضباط في صدره مما أدى إلى استشهاده.

كما قامت الحكومة باستهداف نشطاء حقوق المرأة خلال عام 2014. في سبتمبر/أيلول 2014، اعتقلت السلطات غادة جمشير، رئيسة لجنة العريضة النسائية، بتهمة نشر “تغريدات مهينة”. وجاء اعتقالها بعد أن قامت بنشر تغريدات حول الفساد في مستشفى (الملك) حمد الجامعي الذي يدار من قبل أحد أفراد الأسرة الحاكمة. وعلى الرغم من إطلاق سراحها، قامت السلطة باعتقال غادة جمشير من جديد بعد ساعات فقط، وذلك على خلفية تهمة أخرى هي “الاعتداء على ضابط شرطة”. وواجهت السيدة جمشير اثنتي عشرة قضية رٌفعت ضدها منذ سبتمبر/أيلول 2014.

فبراير 2015

أما في أحدث ذكرى للانتفاضة، فحتى بعد مرور أربع سنوات على القيود المتزايدة والتواجد المكثف للشرطة، خرجت أعدادٌ غفيرة من المتظاهرين احتجاجا على القمع الحكومي. وفقا للمدافع البارز عن حقوق الإنسان السيد نبيل رجب، كان تجمع الناس في عام2015 أكثر عدداً من تجمعهم في عام 2012، حيث حاول بعض النشطاء العمل بأشكال جديدة من العصيان المدني السلمي، مثل وضع دمى الدببة في مواقع الاحتجاجات السابقة كبادرة دعائية للحراك وساخرة برد الفعل الحكومي.

وقد قامت السلطات، كعادتها، بممارسة نفس الأسلوب الأخرق الذي اتبعته في السنوات الماضية، إذ أطلقت عبوات الشوزن وقنابل الغاز المسيل للدموع على الحشود والتجتمعات السكانية المعروفة بخروجها في الاحتجاجات. وقد قامت قوات الأمن بمداهمة المنازل بشكل غير قانوني دون تقديم مذكرات تفتيش واعتقال العشرات تعسفياً. كما قامت الحكومة البحرينية في أوائل عام 2015،بسحب الجنسية عن 72 من المواطنين، من بينهم صحفيون ونشطاء في الحركة المؤيدة للديمقراطية.

سوف يصادف يوم الأحد القادم الذكرى السادسة للحركة المؤيدة للديمقراطية الحديثة في البحرين. وكما هو موثق في تقرير “تحطيم الواجهة” (Shattering the Façade)، أخفقت حكومة البحرين في تنفيذ العديد من الإصلاحات السياسية أو إجراءات حماية حقوق الإنسان التي أوصت بها لجنة تقصي الحقائق قبل نصف عقد من الزمن. بل أبدت السلطات استعداداً واضحاً لاستخدام الترهيب والقوة لقمع الاحتجاجات السلمية وتكميم أفواه المعارضين.

وتبقى الحركة المؤيدة للديمقراطية في البحرين دؤوبةً مثابرة – ومن يدري، لعل الرابع عشر من فبراير/شباط القادم يكون مختلفا.

To read this document in English, click here.