بعد أقل من شهر على انتخابها عضواً في مجلس حقوق الإنسان للمرة الرابعة  ، لم تتوان السلطات السعودية على المضي قدماً في تجاهل التزاماتها الدولية لا سيما المتعلقة بتوصيات حظيت بتأييدها الكامل في الإستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان لعامي 2009 و2013 والمتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية  .فهي  مصرّة على إقصاء وتغييب دورالمجتمع المدني المعني في مجال حقوق الإنسان . الحكومة السعودية مازالت لا تسمح إطلاقا بوجود جمعيات حقوقية مستقلة  رغم مرور أكثر من عام على إصدارها  قانون للجمعيات الأهلية (نوفمبر 2015) ، كما لم تتوان عن ملاحقة ما تبقى من ناشطين ومدافعين سعوديين خارج السجون وداخل المملكة  عن طريق محاكمتهم  بتهم تتعلق بحقهم في التعبير عن آرائهم أو محاولة تأسيس جمعيات أو منظمات حقوقية .

ففي 30أكتوبر 2016 وجه الإدعاء السعودي اتهامات جنائية ضد ناشطيْن أسسا في عام 2013 جمعية “الإتحاد لحقوق الإنسان ” ، هما محمد العتيبي وعبد الله العطاوي،  بسبب ” اشتراكهما في تأسيس جمعية والإعلان عنها قبل الحصول على تراخيص ” فضلا عن اتهامات غامضة أخرى تتعلق بعملهم في مجال حقوق الإنسان ، على أن تعقد الجلسة القادمة للمحاكمة في 27 ديسمبر 2016 أمام المحكمة الجزائية  وهي محكمة مختصة في مكافحة الإرهاب . والجدير ذكره أن الجمعية أغلقت بعد أشهر من تأسيسها وقد تقدم كل العتيبي والعطاوي في أواخر أبريل 2013 بطلب تسجيل في وزارة الشؤون الاجتماعية، التي أصبحت لاحقا وزارة العمل والتنمية الاجتماعية. رفضت الوزارة الطلب في مايو/أيار في رسالة من مدير الجمعيات والمؤسسات الخيرية يقول فيها بعد دراسة الطلب  أنه لا يتماشى مع لائحة الجمعيات و “….نرى التريث لحين صدور نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الذي يتيح تأسيس جمعيات أهلية في مجال حقوق الإنسان”. وكانت الجمعية أشارت في بيانها أنها تهدف إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في السعودية والدفاع عن جمعيات حقوق الإنسان الأخرى ومساعدتها، والبدء بحملة لإنهاء عقوبة الإعدام وكذلك العمل على تدعيم دور المرأة في المجتمع. كما وحققت السلطات معهما في في مارس 2014 وحصلت على تعهد من كل منهما  عن نشر البيانات والتقارير، والمشاركة في اللقاءات التلفزيونية.

من جهة أخرى وبعد يوم واحد فقط من محاكمة العتيبي والعطاوي ، ضاعفت محكمة الإستئناف في الأول من ديسمبر 2016 حكم السجن بحق المدافع عن حقوق الإنسان وأحد مؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية (حسم ) عيسى الحامد ليصل إلى 11 عاماً ومنع سفر من البلاد للمدة نفسها . وكان قد حكم على الحامد في أبريل من نفس العام بالسجن لـ9سنوات وذلك بعد أكثر من 16 جلسة محاكمة . أهم التهم التي وجهت للحامد  كما لجميع أعضاء (حسم) ال 11 إشتراكه في إنشاء جمعية غير مرخصة والتواصل مع منظمات أخرى . وكانت الجمعية قد أنشئت عام 2009  من أجل زيادة الوعي يالحقوق المدنية والسياسية والمشاركة في فعاليات حقوق الإنسان الدولية  وتعزيز إطار حقوق الإنسان كمفهوم متوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية. وقد حكم على جميع أعضائها المؤسسين في المحكمة الجزائية المتخصصة التي تخضع مباشرة لوزارة الداخلية ،أحكاما طويلة الأمد تترواح بين 4 و15 عاما ، لم تحصل الجمعية على ترخيص من قبل السلطات قبل أن يصدر الحكم بحلها  ومصادرة أملاكها فورا . وقد استنكرت العديد من المنظمات والهيئات الدولية احتجازهم من قبل السلطات على مدى أعوام المحاكمات الجارية ، واعتبرته انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، عدا عن كونه يخالف عددًا من مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وهي مواد تؤكد على حظر الاحتجاز التعسفي، والحق في محاكمة عادلة، والحقوق المتعلقة بحريات الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتشكيل الجمعيات.  ولعل ما يبعث على الكثير من القلق في ضوء ما يترتب على السعودية من التزامات بوصفها إحدى الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، وهي التزامات تقتضي منها صون أسمى معايير حقوق الإنسان.­

ومن أبرز إلتزامات الحكومة السعودية تجاه المجتمع الدولي ، موافقتها على أكثر من 13 توصية قدمت لها من أكثر من 15 دولة خلال عمليتي الاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان لعامي 2009 و2013 ، كلها تدعو إلى تفعيل العمل المدني في مجالات حقوق الإنسان ، واعتماد قانون للمنظمات غير الحكومية  يوفر إطار يمكن من تنمية المجتمع المدني وضمان عدم إساءة استعمال النظام القضائي ونظام إنفاذ القانون لمضايقة الأفراد لتعبيرهم عن آرائهم السياسية أو الدينية وطالبها بالسماح  لتسجيل المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان سواء على المستوى القانوني أو العملي .

كما تنص المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية. والمادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص أنه لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام اليها من أجل حماية مصالحه.

وأما عن نظام الجمعيات الذي أصدره  مجلس الوزراء في نوفمبر 2015 والذي استغرق سبع سنوات دراسة ، لا يرقى لتطلعات وآمال بناء مجتمع مدني فاعل وشريك في صناعة القرارات والتشريعات، فهو حذف ما كان مقترحاً في مسودة النظام القديم، والمتعلق بتخصيص مجال حقوق الإنسان كأحد الأنشطة التي يمكن إنشاء جمعيات تتولاها، وهذا تراجعٌ إلى الوراء واستمرار في رفض تسجيل جمعيات حقوق الإنسان، كذلك منح الحكومة صلاحية حل أو استبدال مجلس إدارة أي جمعية استنادا إلى تبريرات فضفاضة من قبيل “الإخلال بالنظام العام”، أو مُخالفة الشريعة الإسلامية، كما واشترط موافقة حكومية على تلقي المنظمات تمويلا أجنبيا.

في الختام ، إن تعزيز المشاركة المدنية يتطلب من السلطات السعودية تغيير في القوانين وإصلاح في السياسات المتبعة  بشكل يتوافق مع التزاماتها الدولية ، وعلى المجتمع الدولي أن يضغط في هذا الإتجاه كونه من الأهمية بمكان أن يكون لدى المنظمات والمدافعون عن حقوق الإنسان القدرة على التعبير والعمل دون التخوف من أخطار الانتقام والاعتقال والانتهاكات الشبيهة. كذلك من الضروري أن يكون لدى المنظمات والنشطاء القدرة على إثارة بواعث القلق حيال سياسات الحكومة؛ والتماس المعلومات وتلقيها وبثها؛ والمشاركة في المناقشات. وهذا هو أحد المبادىء الأساسية في إعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان الذي ينص على أنه لكل فرد الحق، بمفرده وبالاشتراك مع الآخرين في أن يعزز حماية وإعمال حقوق الإنسان والحريات الأساسية وبأن يسعى لحمايتها وإعمالها على الصعيدين الوطني والدولي.

الصورة : موقع القسط