لا تزال قضية “البدون” أو عديمي الجنسية من أبرز القضايا العالقة في بعض دول الخليج التي تنتظر حلاً جذرياً ينهي ازمة عديمي الجنسية ليمارسون حقهم بالمواطنة ويتمتعون بكامل حقوقهم المدنية والسياسية كما مواطني بلدهم ويكسرون العوائق التي كانت تواجههم على صعيد العمل والتعليم وغيرها. المملكة العربية السعودية والكويت تجمعهما قضية البدون وانتهاك حقوق هؤلاء الأشخاص وتهميشهم وحتى الآن لم تأخذ تلك القضية مساراً واضحاً وصريحاً في كلتا الدولتين ولا يزال مصير البدون مجهولاً حتى يومنا هذا.

لماذا أطلق عليهم مصطلح بدون؟

البدون هم مجموعات من قبائل عربية من البدو الرحّل يعيشون بين الحدود السعودية والعراقية والكويتية والسورية والأردنية، وبدأت معاناتهم عند وضع الحدود السياسية بين دول المنطقة، وهم عديمو الجنسية والتعريف القانوني الدولي للشخص عديم الجنسية أنه هو “الشخص الذي لا تعتبره أي دولة مواطنا بموجب قانونها”.

 

واقع البدون في السعودية

لم تبصر وعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان النور بعد ففي الثاني والعشرين من نوفمبر عام 2018 أي منذ ستة أشهر تقريباً أعلن بن سلمان عن اهتمامه بدراسة ملف البدون وأنه سيتم حله قريباً بعد الإنتهاء من دراسته.

يرزح أكثر من ربع مليون شخص في السعودية، من عديمي الجنسية أو (البدون)، تحت وطأة الحرمان المتعمد والكلي من جميع حقوق المواطنة، والتي تعتبر المدخل الأساسي في التمتع بمختلف الحقوق المدنية والسياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية. ففي حين أن الجنسية بحد ذاتها هي حق أساسي لكل إنسان (الفقرة الأولى من المادة 15 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان )، وبه يضمن وضعاً قانونيا يجعله مستحقا لتلك الحقوق، يقبع البدون في أسفل سلّم حقوق الإنسان المنتهكة  في المملكة العربية السعودية .

فهم يواجهون الإقصاء والتمييز في مختلف جوانب الحياة سواء على صعيد التعليم أو العمل أو التنقل أو الزواج أو الخدمات الطبية لعدم حيازتهم أوراق ثبوتية أو بطاقات وطنية. حيث يولد الطفل من والد عديم الجنسية بدون شهادة ميلاد، ثم يكبر ليواجه صعوبات في الالتحاق بالمدرسة وإذا أسعفه الحظ فقد يلتحق بإحدى الجامعات الخاصة ذات التكاليف الباهظة. أما بالنسبة للعمل فلا يسمح له العمل بالقطاع الحكومي كما لا يستطيع كثير من البدون العمل في القطاع الخاص، مما يضطرهم أحيانا لتقبل ظروف عمل أشبه بأعمال السخرة والإستعباد، وإذا قرر الزواج فإن زواجه لا يوثق في المحكمة بشكل رسمي، كما لا يسمح له بالتملك أو بمزاولة أي نشاط تجاري مهما كان بسيطا أو فتح حساب بنكي أو صرف شيك وغيرها، وفي حالة الوفاة فإن المتوفى من هذه الفئة يحرم من حقه بالحصول على شهادة وفاة كما حُرم قبلها من أن يعيش حياة كريمة وبالتالي يتم رفض دفنه في المقابر المعتمدة .

من الإمتيازات التي تمنحها الدولة للمواطن السعودي والتي تحرمها لمواطنيها عديمي الجنسية هي الرعاية الطبيىة، حيث ترفض المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية وحتى الخاصة علاجهم بسبب عدم حملهم أوراقاً ثبوتية، مما يؤدي إلى مخاطر عدة تواجههم  وخاصة النساء  أو المتزوجات من البدون، إذ تكون  ولاداتهن غير مسجلة في الوثائق الرسمية مما يمنعهن من الحصول على الخدمات الحكومية الأساسية مثل الرعاية الصحية، وقد يمنعن في كثير من الأحيان من الولادة في المستشفيات العامة، وهو ما يشكل خطراً على حياة الأم والطفل.

وينقسم البدون في السعودية إلى ثلاثة أقسام: الأول “بلوش البريمي” وهم سكان منطقة البريمي الحدودية بين السعودية وعُمان، والثاني: الجاليات الإسلامية من آسيا التي استوطنت مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف وجدة كالبخارية، والتركستان، والبرماوية والإندونيسية، أما الثالث: فالجاليات العربية والأفريقية التي استوطنت بعد أداء العمرة والحج.

وعلى الرغم من أن النظام السعودي استصدر بطاقات سوداء لهم فإن هذه البطاقات لا تعترف بأنهم من سكان الجزيرة الأصليين، وإنما تعتبرهم بدواً نازحين من الدول العربية المجاورة.

كما أن حملة البطاقات السوداء من البدون لا يحصلون بسهولة على جواز سفر للعلاج أو الدراسة في الخارج، لكن السلطات تمنح البعض تذكرة مرور مدتها ستة أشهر لسفرة واحدة، كما لا يستطيعون الذهاب لأي دولة خليجية، والتجديد يستغرق أشهراً ويشمل الجميع كباراً وصغاراً إناثاً وذكوراً. وحملة البطاقة السوداء ليس بإمكانهم تسجيل أكثر من سيارة باسمهم أو تملك عقار، منزلاً كان أم أرضاً، كما أن بعضهم يواجه صعوبات في دفن موتاهم، فقد منحتهم السلطات السعودية هذه البطاقات على أساس فترة زمنية مؤقتة لكن المؤقت أصبح دائماً.

واقع البدون في الكويت

وكذلك الأمر في الكويت ينتظر البدون حلّ أزمتهم بشكل جذري والتمتع بحقوقهم المدنية، وحتى الآن لا حلول جديدة تلوح في الأفق، مع العلم أنه في بداية الشهر الحالي ناقشت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية اقتراحات قانون حول الحقوق المدنية لعديمي الجنسية الذي طرحته الحكومة كرؤية، أمام لجنة حقوق الإنسان منذ العام 2014، وارتكزت على (تقسيم “البدون” إلى 3 شرائح أساسية وهي حملة إحصاء 1965 في الشريحة الأولى، وتشمل الشريحة الثانية من لديهم إثبات وجود قبل عام 1980، بينما الشريحة الثالثة تضم من وجدوا من البدون بعد عام 1980. وقيل أنه سيتم تشكيل لجنة مستقلة للنظر في القيود الأمنية لحملة إحصاء 1965، على أن ينظر في تجنيس من ليس عليه قيد أمني مثبت، بينما يتم الترتيب مع إحدى الدول العربية لمنح جوازات سفر رسمية لموجودين قبل 1980).

يتألف سكان “البدون” الكويتيون من القبائل العربية البدوية التي كانت تقيم في الكويت في الوقت الذي حصلت فيه البلاد على استقلالها في عام 1961 ولم تكن قادرة على التسجيل للحصول على الجنسية، إما بسبب عدم التفاهم أو عدم القدرة على إثبات إقامتهم في المنطقة. لم يكن سكان البدون يعانون من الحرمان الشديد في العقود القليلة الأولى بعد الاستقلال الكويتي. ولكن من منتصف الثمانينيات، أثّر الصراع الطائفي، والتوترات الإقليمية والاضطرابات الاقتصادية بشكل سلبي على سكان البدون. وفي عام 1986، اعتبرت الحكومة عدد من سكان البدون أنهم “مقيمين غير قانونيين” وجرّدتهم من حقوقهم. إن انعدام الجنسية الكويتية بين الأقليات في البلاد يجعل هؤلاء الأفراد عرضة لخطر انتهاكات حقوق الإنسان.

في فبراير ومارس من عام 2011، احتج مئات الرجال والنساء من منطقة البدون بسبب فشل الحكومة في العمل على طلبات الحصول على الجنسية للمواطنين في ضواحي مدينة الكويت. وردّت القوات الحكومية بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، واحتجزت بشكل تعسفي عشرات المتظاهرين السلميين. وُضعت علامة حمراء على سجلات المتورطين في هذه الاحتجاجات والناشطين من أجل حقوق البدون، الأمر الذي يمنعهم من الحصول على حقوقهم الأساسية، منها الحق في العمل. وفي حال وضعت هذه العلامة على سجل شخص ما، يؤثر ذلك على أفراد عائلته ويحرمون من الحق في العمل أيضًا.

إن عدم حمل الجنسية الكويتية يمنع الشخص من حقه في التعليم، والمساعدة الطبية، والتوظيف. كما يؤثر ذلك بشكل كبير على حياة السكان. لا تستطيع العديد من العائلات في البدون من الحصول على شهادات زواج أو شهادات ميلاد لأطفالها، وهذا بدوره يمنع الأطفال من الحصول على هوية حكومية، ورعاية طبية، ولا سيما التعليم. إنّ الحصول على المساعدة الطبية المناسبة عند الولادة محدودة للنساء اللواتي لا يحملن شهادة زواج، ولا تعتبر ولادة طفل في الكويت قانونية في حال لم تكن متوفرة. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لأمهات البدون أن يلدن في مستشفى عام. كما ظهرت تقارير عن تعرض النساء من البدون للتحرّش الجنسي من السلطات الكويتية أثناء تقديمهن للحصول على شهادات الميلاد والزواج.

إن دوامة عدم توفر الموارد الكافية لسكان البدون واضحة حتى في التعليم. لا يمكن للأطفال في “البدون” أن يلتحقوا في المدرسة إن لم يكن لديهم شهادة ولادة، مما يجبرهم على المتابعة في التعليم الخاص، الذي يكون دون المستوى غالباً وهو مكلف جداً. ونتيجة لذلك، غالباً ما ينظلم الفتيات عندما لا يذهبن إلى المدرسة لأن الأسر لا تستطيع تعليم جميع أبناءها، فعادة ما تلتجئ إلى تفضيل تعليم الأبناء بدلاً من الفتيات.

لا تستطيع معظم الأسر في البدون توفير التعليم الخاص بسبب الخيارات التوظيف المحدودة. وبموجب القانون الكويتي، لا يحق إلا للذين يحملون جنسية كويتية أو المقيمين القانونيين العمل بصورة قانونية. في حين أن الحكومة قد أقامت استثناءات محدودة، تلاحظ منظمة هيومن رايتس ووتش أن وضع “البدون” يخلق عقبات كبيرة للعثور على عمل. إن الحصول على الخدمات العامة استنسابي للأفراد من البدون، وهو غير متاح للجميع بشكل متساو. فعلى سبيل المثال، صرّح نشطاء من “البدون” لمنظمة العفو الدولية مراراً وتكراراً بأنّ سكان “البدون” لا يمكنهم تسجيل ممتلكات باسمهم، مثل السيارات أو الأعمال التجارية. كما يزعم كثيرون أن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي عبر رشوة المسؤولين.

تقرّ المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) بحق الفرد “في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده”، ويحمي من الحرمان التعسفي من الحق في دخول بلده. ومع ذلك، نادراً ما تصدر الكويت وثائق سفر، فهي تقوم بـ”جوازات سفر مؤقتة” فقط لسكان البدون الذين يحملون بطاقات أمنية، ويريدون السفر بهدف التعليم، أو العلاج الطبي أو الحج.

وباعتبار أنهم غير قانونيين، لا يمكن لسكان البدون المشاركة في العمليات السياسية أو الدفاع عن حقهم في المواطنة، بحيث لا يسمح لهم بالمطالبة القضائية بمناقشة قضاياهم للحصول على الجنسية. يوجد في الكويت ما بين 93،000 و106،000 شخصاً من “البدون” وحرمان هذا العدد من المواطنين لا يفي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وبذلك، تكون الكويت انتهكت القانون الدولي لحقوق الإنسان، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) تحديداً، والمادة 29 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان (ACHR)، بالإضافة إلى عدد من المعاهدات التي وافقت عليها الكويت، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR).

نظراً لخطورة قضايا حقوق الإنسان التي يواجهها سكان البدون في السعودية والكويت بسبب وضعهم وعواقبها، على المجتمع الدولي أن يمارس ضغطاً إضافياً على تلك الدولتين لتدرك المشاكل الناجمة عن رفضها الدائم لمنح عدد كبير من مواطني البدون الجنسية والكف عن انتهاكات حقوقهم.